تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير والتاويل في القرآن — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
خطوة أخرى أرفع وأسمى وأبعد ، وقدّم تأويلا للسورة تأويلا مستنبطا من موضوعها وهدفها وسياقها . إن اللّه أعلم رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بقرب دنوّ أجله ، إن النصر والفتح علامة على قرب الأجل ، فعليه الإكثار من حمد اللّه وتسبيحه واستغفاره ، استعدادا للارتحال عن هذه الدنيا ومغادرتها . وقال ابن عباس في رواية أخرى : لما نزلت
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
نعيت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نفسه ، فأخذ بأشدّ ما كان قط ، اجتهادا في أمر الآخرة . ولقد كان ابن عباس موفّقا في هذا التأويل للسورة ، وفي الالتفات لهذا المعنى الخفي البعيد الذي توحي به ، وقد أشاد عمر بفهمه ، ووافقه عليه ، وقال له : ما أعلم منها إلا ما تقول . ثم توجّه عمر للصحابة الجالسين فقال لهم : كيف تلومونني على حبّ ما ترون ؟ قال الإمام ابن حجر بعد شرحه للحديث : « فيه جواز تحديث المرء عن نفسه بمثل هذا ، لإظهار نعمة اللّه عليه ، وإعلام من لا يعرف قدره لينزل منزلته ، وغير ذلك من المقاصد الصالحة ، لا للمفاخرة والمباهاة ، وفيه جواز تأويل القرآن بما يفهم من الإشارات ، وإنما يتمكن من ذلك من رسخت قدمه في العلم » « 1 » . تشير سورة النصر إلى ارتباط حياة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على الأرض بهذا الدين ، فهو رسول اللّه ، ومهمته هي تبليغ الاسلام ونصرته وجهاد أعدائه ، فإذا ما نصر اللّه دينه ، ومنح المسلمين الفتح ، فقد تحققت مهمة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بنجاح كبير ، وبذلك تنتهي حياته على الأرض ، المرتبطة بمهمته الدعوية الجهادية .
هامش
( 1 ) انظر شرح ابن حجر للحديث في فتح الباري : 8 / 735 - 736 .