تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير والتاويل في القرآن — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
وهذه إشارة من عمر إلى فطنة ابن عباس وذكائه وعلمه ومعرفته . وفي رواية ثانية أنّ بعض المهاجرين قالوا لعمر : ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس ؟ فقال لهم عمر : ذاك فتى الكهول ، وإن له لسانا سئولا ، وقلبا عقولا . وأراد عمر أن يبين لهؤلاء الصحابة علم ابن عباس وفطنته ، فدعاهم ودعاه يوما . وفهم ابن عباس قصد عمر من الدعوة ، ولهذا قال : فما رئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم . وفي رواية أخرى : أن عمر قال لهم : سأريكم اليوم منه ، ما تعرفون به فضله ! ولما اجتمعوا عند عمر ، طلب منهم تفسير سورة النصر :
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ، إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً
. لقد نظروا في آيات السورة نظرة ظاهرية ، ولاحظوا المعنى القريب المتبادر منها : عندما يأتي اللّه بنصره ، ويفتح البلدان أمام الاسلام ، فعلى الرسول عليه الصلاة والسلام أن يسبح اللّه ، وأن يحمده ، وأن يستغفره ، واللّه تواب يتوب على عباده . هل كلامهم هذا خطأ أم صواب ؟ لقد كان صوابا ، فهذا هو معنى السورة ، وهذا ما تأمر به . لكن هؤلاء الصحابة كانوا مفسّرين للسورة ، فسّروا كلماتها تفسيرا ظاهريا قريبا ، وكان تفسيرهم لها صحيحا ، لكنه مجرد تفسير . أما ابن عباس فقد كان يعرف من السورة ما قالوه ، ويعرف أنّ هذا هو ظاهرها ، ولكنه تجاوز هذا الظاهر ، وانتقل من تفسيرها القريب إلى
التفسير والتاويل في القرآن — صفحة 186 | صلاح عبد الفتاح الخالدي