تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
ذلك ، وقال بعض الأئمة : هذه محال ثلاثة بعث اللّه في كل واحد منها نبيا مرسلا من أولي العزم أصحاب الشرائع الكبار : [ فالأول ] محلة التين والزيتون وهي بيت المقدس التي بعث اللّه فيها عيسى ابن مريم عليه السّلام . [ والثاني ] طور سينين ، وهو طور سيناء الذي كلم اللّه عليه موسى بن عمران . [ والثالث ] مكة ، وهو البلد الأمين الذي من دخله كان آمنا ، وهو الذي أرسل فيه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ، قالوا : وفي آخر التوراة ذكر هذه الأماكن الثلاثة : جاء اللّه من طور سيناء - يعني الذي كلم اللّه عليه موسى بن عمران - وأشرق من ساعير - يعني جبل بيت المقدس الذي بعث اللّه منه عيسى - واستعلن من جبال فاران - يعني جبال مكة التي أرسل اللّه منها محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم فذكرهم مخبرا عنهم على الترتيب الوجودي بحسب ترتيبهم في الزمان ، ولهذا أقسم بالأشرف ثم الأشرف منه ثم بالأشرف منهما . وقوله تعالى :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
هذا هو المقسم عليه ، وهو أنه تعالى خلق الإنسان في أحسن صورة وشكل منتصب القامة سوي الأعضاء حسنها
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ
أي إلى النار ، قاله مجاهد وأبو العالية والحسن وابن زيد وغيرهم ، ثم بعد هذا الحسن والنضارة مصيره إلى النار إن لم يطع اللّه ويتبع الرسل ولهذا قال :
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
وقال بعضهم
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ
أي إلى أرذل العمر ، وروي هذا عن ابن عباس وعكرمة حتى قال عكرمة : من جمع القرآن لم يرد إلى أرذل العمر ، واختار ذلك ابن جرير ، ولو كان هذا هو المراد لما حسن استثناء المؤمنين من ذلك لأن الهرم قد يصيب بعضهم ، وإنما المراد ما ذكرناه كقوله تعالى :
وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
[ العصر : 1 - 3 ] وقوله :
فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
أي غير مقطوع كما تقدم . ثم قال :
فَما يُكَذِّبُكَ
أي يا ابن آدم
بَعْدُ بِالدِّينِ
أي بالجزاء في المعاد ، ولقد علمت البداءة وعرفت أن من قدر على البداءة فهو قادر على الرجعة بطريق الأولى ، فأي شيء يحملك على التكذيب بالمعاد وقد عرفت هذا ؟ قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان حدثنا عبد الرّحمن عن سفيان عن منصور قال : قلت لمجاهد
فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ
عنى به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : معاذ اللّه ، عنى به الإنسان وهكذا قال عكرمة وغيره . وقوله تعالى :
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ
أي أما هو أحكم الحاكمين الذي لا يجور ولا يظلم أحدا ، ومن عدله أن يقيم القيامة فينصف للمظلوم في الدنيا ممن ظلمه . وقد قدمنا في حديث أبي هريرة مرفوعا « فإذا قرأ أحدكم والتين والزيتون فأتى على آخرها
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ
فليقل بلى وأنا على ذلك من الشاهدين » . آخر تفسير سورة التين والزيتون وللّه الحمد والمنة .