باليهود ، والضالين بالنصارى « 1 » ، وقد ذكروا في سورة الفاتحة على حسب ترتيبهم في الزمان ، فعقب بسورة البقرة ، وجميع ما فيها [ من ] خطاب أهل الكتاب لليهود خاصة ، وما وقع فيها من ذكر النصارى لم يقع بذكر الخطاب « 2 » .
ثم [ عقبت البقرة ] بسورة آل عمران ، وأكثر ما فيها من خطاب أهل الكتاب للنصارى ، فإن ثمانين آية من أولها نازلة في وفد نصارى نجران ، كما ورد في سبب نزولها « 3 » . وختمت بقوله :
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
[ 199 ] . وهي في النجاشي وأصحابه من مؤمني النصارى ، كما ورد به الحديث « 4 » . وهذا وجه بديع في ترتيب السورتين ، كأنه لما ذكر في الفاتحة الفريقين ، قص في كل سورة مما بعدها حال كل فريق على الترتيب الواقع فيها ، ولهذا كان صدر سورة النساء في ذكر اليهود ، وآخرها في ذكر النصارى « 5 » .
الوجه الثالث : أن سورة البقرة أجمع سور القرآن للأحكام والأمثال ، ولهذا سميت في أثر : فسطاط القرآن « 6 » . الذي هو : المدينة الجامعة ، فناسب تقديمها على جميع سوره .
هامش
( 1 ) راجع تفسير ابن كثير للإمام أبي الفداء إسماعيل بن كثير ( 1 / 46 ) .
( 2 ) بل جاء على أسلوب الخبر ، مثل قوله تعالى :إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ[ 62 ] وقوله تعالى :وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى[ 111 ] الآية .
( 3 ) راجع أسباب النزول ص 69 .
( 4 ) راجع البخاري ( 2 / 108 ) ومسلم ( 3 / 54 ) وما بعدها .
( 5 ) وذلك قوله في سورة النساء :مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ[ 46 ] والآخر في قوله :يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ، وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ، إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِالآية [ 171 ] .
يقول الإمام الطبري : « يقول : لا تجاوزوا الحق في دينكم فتفرطوا فيه ، ولا تقولوا في عيسى غير الحق » . راجع تفسير « جامع البيان » ( 9 / 415 ) .
( 6 ) أخرجه الإمام الدارمي عن خالد بن معدان ( 2 / 466 ) .