ويباغتهم بقيوده التشريعية التي لم يألفوها ، ومن ثم كان يصعب ويشق عليهم الأمر ، بل يستحيل حملهم على التزام المنهج .
أما ترتيب سور القرآن فإنه يختلف اختلافا كبيرا عن ترتيب المصحف ولعل ذلك مرجعه إلى اختلاف المقصود وتباين الهدف من كلا الترتيبين .
ونحن نعرف أن الفترة المكية كانت أحوج إلى تمكين العقيدة في نفوس الناس وترسيخ أطنابها في أعماق المجتمع ومزجها بوجدان كل فرد ، وذلك لأن العقيدة هي جماع الدعوة ومناط التكليف الأول ، ولم يشرع أي من العبادات في مكة إلا الصلاة لأنها حتمية لشحن طاقة المسلم بالطواعية والتسليم والولاء للخالق جل شأنه ، وهي من أسباب الانقياد والتمكين للعقيدة .
وقد كانت السورة تنزل بمكة إلا آيات معلومات منها ، مثلا على ذلك :
سورة الحج ، نزلت بمكة ، إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة « 1 » :
هذانِ خَصْمانِ . . .
الآيات الثلاث .
وسورة السجدة أيضا نزلت بمكة ، إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة وهي :
أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً . . .
الآيات الثلاث .
أيضا سورة الزمر نزلت بمكة إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة في وحشي قاتل حمزة بن عبد المطلب رضي اللّه عنهما :
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ . . .
الآيات الثلاث .
وقد حدث هذا التفريق في النزول باستثناء آية وآيات لتنزل بعد نزول أجزاء تلك السورة بسنوات بعيدة كما في سورة البقرة والأنعام
هامش
( 1 ) وسورة الأنعام هي إحدى السور المكية الطويلة التي يدور محورها حول العقيدة الإسلامية وقضايا الدين الإيمانية ، ولم تتكلم ولم تتعرض لأي شيء من العبادات أو غيرها بل تناولت قضايا العقيدة الكبرى الأساسية من قضية الألوهية ، وقضية الوحي والرسالة ثم البعث والجزاء . راجع تفسير الشيخ الصابوني ( 7 / 362 ) بتصرف .