يكتمل نموه في أحشائها تدريجيا ، ورغم ذلك فإنها تعاني ما تعانيه من آلام الحمل لا سيما للمرة الأولى ، إذ أن نطفة الجنين غريبة عنها وكل غريب تلفظه بنية الإنسان وتكوينه وجبلته .
ولا أحد يتصور حال المرأة لو جاءها الحمل بجنين كامل التكوين مرة واحدة ، ولا ريب أن ذلك مما يتعارض مع الفطرة البشرية والطبيعة والناموس الكوني .
وقد جاء الإسلام بمنهج حياة وعقيدة وعمل ، من عبادات ومعاملات وغيره ، ولا بد لاتباع هذا المنهج من نبذ العادات الجاهلية الأولى ، والكف عن الشهوات والإسراف في المعاصي واجتذاذ عقيدة الشرك المطمورة في داخل نفوس الناس .
وليس بالأمر الهين تغيير العقائد ، وليس من اليسير حمل الناس على منهج لم يألفوه من قبل ، وليس من الأوفق إعطاؤهم كل التعاليم دفعة واحدة دون ترويض وقبل التمهيد لها ، حتى يتسنى لهم قبولها بعد تطويع غرائزهم وسجاياهم وتنبيه جانب الخير في نفوسهم . ثم إن تنجيم القرآن يعطي فرصة للناس حتى يتدبروا معانيه السامية ودلالاته الشريفة ومقاصده النبيلة ، ويطعموا لذة سماعه فيرتوي منه الحس ويأنس به الوجدان .
ظل القرآن ينزّل نجوما ساطعة لألاءة فانبلج صبح الهداية ، وأسفر الفجر وبدا عموده وانجلى شمراخه ، ونكص الجهل في غبش الظلمات هاربا يجر فلوله المنكوبة بتعالي كلمات التوحيد خافقة مدوية في أرجاء مكة ، ويثرب .
خلال ثلاثة وعشرين عاما ، ظلت النجوم تنزل تترى فكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقرؤها على مكث ويقرؤها الصحابة شيئا فشيئا ، وتلك النجوم تنزل مع الأحداث والوقائع والمناسبات الفردية المتعاقبة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقد بدأ نزول القرآن الكريم في ليلة القدر ، قال تعالى :
إِنَّا