تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
وزرى على المحقّ . قلت : أيّها الرجل ، قولك هذا كان يسلّم لو كان الإنشاء والتحرير والبلاغة بائنة من صناعة الحساب والتحصيل والاستدراك وعمل الجماعة وعقد المؤامرة « 1 » . فأمّا وهي متّصلة بها وداخلة في جملتها ومشتملة عليها وحاوية لها ، فكيف يطّرد حكمك وتسلم دعواك ؟ ألا تعلم أن أعمال الدواوين التي ينفرد أصحابها فيها بعمل الحساب فقيرة إلى إنشاء الكتب في فنون ما يصفونه ويتعاطونه ، بل لا سبيل لهم إلى العمل إلّا بعد تقدمة هذه الكتب التي مدارها على الإفهام البليغ والبيان المكشوف والاحتجاج الواضح ، وذلك يوجد من الكاتب المنشئ الذي عبته وعضضته ، وهذه الدواوين معروفة ، والأعمال فيها موصوفة ، وأنا أحصيها لك كي تعلم أنّك غالط وعن الصواب فيها منحرف : فمنها ديوان الجيش ، وديوان بيت المال ، وديوان التوقيع والدار ، وديوان الخاتم ، وديوان الفضّ ، وديوان النّقد والعيار ودور الضّرب ، وديوان المظالم وديوان الشرطة والأحداث ، هذا إلى توابع هذه الدواوين مثل باب العين والمؤامرات ، وباب النوادر والتواريخ ، وإدارة الكتب ومجالس الديوان وقبل وبعد ، كما يلزم كاتب الحساب أن يعرف وجوه الأموال حتى إذا جباها وحصّلها عمل الحساب أعماله فيها ، فلا يمكنه أن يجبي إلّا بالكتب البليغة والحجج اللازمة واللطائف المستعملة ، ومن تلك الوجوه الفيء ، وهو أرض العنوة وأرض الصلح وإحياء الأرض والقطائع والصفايا والمقاسمة والوضائع وجزية رؤوس أهل الذمّة وصدقات الإبل والبقر والغنم وأخماس الغنائم والمعادن والركاز والمال المدفون ، وما يخرج من البحر وما يؤخذ من التجار إذا مرّوا بالعاشر واللّقطة والضالّة وميراث من لا وارث له ومال الصدقة ، إلى غير ذلك من الأمور المحتاجة إلى المكاتبات البالغة على الرسوم المعتادة والعادات الجارية ، كعهد ينشأ في إصلاح البريد وتقسيط الشرب ، وكتاب في العمارة وإعادة ما نقصّ منها ، وفي حرز الغلّة والدّياس ، وفي الدّوالي والدواليب والغرّافات ، وفي القلب والقسمة ، وفي تقدير الخضر المبكّرة وفي المساحة وفي الطراز ، وفي الجوالي ، وفي قبض فرائض الصدقات ، وفي افتتاح الخراجات ، إلى غير ذلك من كتب المحاسبين . فإن قلت : « هذا كلّه مستغنى عنه » كابرت وبهتّ ، لأن مدار المال ودروره ، وزيادته ووفوره على هذه الدواوين الّتي إما أن يكون حظّ البلاغة فيها أكثر ، وإمّا أن يكون أثر الحساب فيها أظهر ، وإما أن يتكافئا ، فعلى جميع الأحوال لا يكون الكاتب كاملا ، ولا لاسمه مستحقا ، إلا بعد أن ينهض بهذه الأثقال ، ويجمع إليها أصولا من الفقه مخلوطة بفروعها ، وآيات من القرآن مضمومة إلى سعته فيها ، وأخبارا كثيرة
هامش
( 1 ) المؤامرة عمل تجمع فيه الأوامر الخارجة في مدة أيام الطمع ويوقع السلطان في آخره بإجازة ذلك .