تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠

الليلة السادسة

ثم حضرته ليلة أخرى فأول ما فاتح به المجلس أن قال : أتفضّل العرب على العجم أم العجم على العرب ؟ قلت : الأمم عند العلماء أربع : الروم ، والعرب ، وفارس ، والهند ، وثلاث من هؤلاء عجم ، وصعب أن يقال : العرب وحدها أفضل من هؤلاء الثلاثة ، مع جوامع ما لها ، وتفاريق ما عندها . قال : إنّما أريد بهذا الفرس . فقلت : قبل أن أحكم بشيء من تلقاء نفسي ، أروي كلاما لابن المقفّع ، وهو أصيل في الفرس عريق في العجم ، مفضّل بين أهل الفضل ، وهو صاحب ( اليتيمة ) القائل : تركت أصحاب الرسائل بعد هذا الكتاب في ضحضاح من الكلام . قال : هات على بركة اللّه وعونه . قلت : قال شبيب بن شبّة : إنّا لوقوف في عرصة المربد - وهو موقف الأشراف ومجتمع الناس وقد حضر أعيان المصر - إذ طلع ابن المقفّع ، فما فينا أحد إلّا هشّ له ، وارتاح إلى مساءلته ، وسررنا بطلعته ، فقال : ما يقفكم على متون دوابّكم في هذا الموضع ؟ فو اللّه لو بعث الخليفة إلى أهل الأرض يبتغي مثلكم ما أصاب أحدا سواكم ، فهل لكم في دار ابن برثن في ظلّ ممدود ، وواقية من الشمس ، واستقبال من الشّمال ، وترويح للدّوابّ والغلمان ، ونتمهّد الأرض فإنّها خير بساط وأوطئوه ، ويسمع بعضنا من بعض فهو أمدّ للمجلس ، وأدرّ للحديث . فسارعنا إلى ذلك ، ونزلنا عن دوابنا في دار ابن برثن نتنسّم الشّمال ، إذ أقبل علينا ابن المقفّع ، فقال : أيّ الأمم أعقل ؟ فظننا أنه يريد الفرس ، فقلنا : فارس أعقل الأمم ، نقصد مقاربته ، ونتوخّى مصانعته . فقال : كلّا ، ليس ذلك لها ولا فيها ، هم قوم علّموا فتعلّموا ، ومثّل لهم فامتثلوا واقتدوا وبدئوا بأمر فصاروا إلى اتّباعه ، ليس لهم استنباط ولا استخراج . فقلنا له : الرّوم . فقال : ليس ذلك عندها ، بل لهم أبدان وثيقة وهم أصحاب بناء وهندسة ، لا يعرفون سواهما ، ولا يحسنون غيرهما . قلنا : فالصّين . قال : أصحاب أثاث وصنعة ، لا فكر لها ولا رويّة . قلنا : فالتّرك . قال : سباع للهراش . قلنا : فالهند . قال : أصحاب وهم ومخرقة وشعبذة وحيلة . قلنا : فالزّنج . قال : بهائم هاملة . فرددنا الأمر إليه . قال : العرب . فتلاحظنا