تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
قال : دع هذا كلّه ، وانسخ لي الرسالة من المسوّدة ، ولا يمنعنّك ذاك فإنّ العين لا ترمقها والأذن لا تسمعها واليد لا تنسخها . وبعد ، فما سألتك إلا وصفه بما جبل عليه ، أو بما كسب هو بيديه من خير وشرّ ، وهذا غير منكر ولا مكروه ، لأمر اللّه تعالى ، فإنّه مع علمه الواسع ، وكرمه السابغ ، يصف المحسن والمسئ ، ويثني على هذا وينثو « 1 » على ذاك ، فاذكر لي من أمره ما خفّ اللفظ به وسبق الخاطر إليه وحضر السبب له . قلت : إنّ الرجل كثير المحفوظ حاضر الجواب فصيح اللسان ، قد نتف من كل أدب خفيف أشياء ، وأخذ من كلّ فنّ أطرافا ، والغالب عليه كلام المتكلّمين المعتزلة ، وكتابته مهجّنة بطرائقهم ، ومناظرته مشوبة بعبارة الكتّاب ، وهو شديد التعصّب على أهل الحكمة والناظرين في أجزائها كالهندسة والطّبّ والتنجيم والموسيقى والمنطق والعدد ، وليس عنده بالجزء الإلهي خبر ، ولا له فيه عين ولا أثر ، وهو حسن القيام بالعروض والقوافي ، ويقول الشّعر ، وليس بذاك ، وفي بديهته غزارة . وأما رويّته فخوّارة ، وطالعه الجوزاء ، والشّعرى قريبة منه ، ويتشيّع لمذهب أبي حنيفة ومقالة الزّيديّة ، ولا يرجع إلى الرقّة والرأفة والرحمة ، والناس كلّهم محجمون عنه ، لجرأته وسلاطته واقتداره وبسطته ، شديد العقاب طفيف الثواب ، طويل العتاب ، بذيء اللسان ، يعطي كثيرا قليلا ( أعني يعطي الكثير القليل ) ، مغلوب بحرارة الرأس ، سريع الغضب ، بعيد الفيئة قريب الطّيرة ، حسود حقود حديد ، وحسده وقف على أهل الفضل ، وحقده سار إلى أهل الكفاية ، أمّا الكتّاب والمتصرّفون فيخافون سطوته ، وأمّا المنتجعون فيخافون جفوته ، وقد قتل خلقا ، وأهلك ناسا ، ونفى أمّة ، نخوة وتعنّتا وتجبّرا وزهوا ، وهو مع هذا يخدعه الصبيّ ، ويخلبه الغبيّ ، لأنّ المدخل عليه واسع ، والمأتى إليه سهل ، وذلك بأن يقال : مولانا يتقدّم بأن أعار شيئا من كلامه ، ورسائل منثورة ومنظومه ، فما جبت الأرض إليه من فرغانة ومصر وتفليس إلّا لأستفيد كلامه وأفصح به ، وأتعلّم البلاغة منه ، لكأنّما رسائل مولانا سور قرآن ، وفقره فيها آيات فرقان ، واحتجاجه من ابتدائها إلى انتهائها برهان فوق برهان ، فسبحان من جمع العالم في واحد ، وأبرز جميع قدرته في شخص . فيلين عند ذلك ويذوب ، ويلهى عن كلّ مهمّ له ، وينسى كلّ فريضة عليه ويتقدم إلى الخازن بأن يخرج إليه رسائله مع الورق والورق ويسهّل له الإذن عليه ، والوصول إليه ، والتمكّن من مجلسه ، فهذا هذا . ثم يعمل في أوقات كالعيد والفصل شعرا ، ويدفعه إلى أبي عيسى بن المنجّم ، ويقول : قد نحلتك هذه القصيدة ، امدحني بها في جملة الشعراء ، وكن الثالث من
هامش
( 1 ) أي يخبر عنه بذنوبه .
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 61 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / هيثم خليفة الطعيمي