الليلة الأولى
وصلت أيّها الشيخ - أطال اللّه حياتك - أوّل ليلة إلى مجلس الوزير - أعزّ اللّه نصره ، وشدّ بالعصمة والتوفيق أزره - فأمرني بالجلوس ، وبسط لي وجهه الّذي ما اعتراه منذ خلق العبوس ، ولطّف كلامه الّذي ما تبدّل منذ كان لا في الهزل ولا في الجدّ ، ولا في الغضب ولا في الرضا .
ثم قال بلسانه الذّليق ، ولفظه الأنيق : قد سألت عنك مرّات شيخنا أبا الوفاء ، فذكر أنّك مراع لأمر البيمارستان من جهته ، وأنا أربأ بك عن ذلك ، ولعلّي أعرّضك لشيء أنبه من هذا وأجدى ، ولذلك فقد تاقت نفسي إلى حضورك للمحادثة والتأنيس ، ولأتعرّف منك أشياء كثيرة مختلفة تردّد في نفسي على مرّ الزمان ، لا أحصيها لك في هذا الوقت ، لكنّي أنثرها في المجلس بعد المجلس على قدر ما يسنح ويعرض ، فأجبني عن ذلك كلّه باسترسال وسكون بال ، بملء فيك ، وجمّ خاطرك ، وحاضر علمك ، ودع عنك تفنّن البغداديّين . . . « 1 » مع عفو لفظك ، وزائد رأيك ، وربح ذهنك ، ولا تجبن جبن الضّعفاء ، ولا تتأطّر تأطّر الأغبياء « 2 » ، واجزم إذا قلت ، وبالغ إذا وصفت ، وأصدق إذا أسندت ، وافصل إذا حكمت ، إلّا إذا عرض لك ما يوجب توقّفا أو تهاديا ، وما أحسن ما قال الأوّل :
لا تقدح الظّنّة في حكمه * شيمته عدل وإنصاف
يمضي إذا لم تلقه شبهة * وفي اعتراض الشكّ وقّاف
وقد قال الأوّل :
أبالي البلاء وإنّي امرؤ * إذا ما تبيّنت لم أرتب
وكن على بصيرة أنّي سأستدلّ ممّا أسمعه منك في جوابك عمّا أسألك عنه على صدقك وخلافه ، وعلى تحريفك وقرافه .
فقلت : قبل كلّ شيء أريد أن أجاب إليه يكون ناصري على ما يراد منّي فإنّي إن منعته نكلت ، وإن نكلت قلّ إفصاحي عما أطالب به وخفت الكساد ،
هامش
( 1 ) كلمة مطموسة ، وتفنن البغداديين : استطرادهم في الكلام وخروجهم فيه من فن إلى فن .
( 2 ) التأطر : التحبس والتثني ، شبه به وقوف الغبي وتردده في جواب ما يسأل عنه .