تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
وقد طمعت بالنّفاق « 1 » وانقلبت بالخيبة ، وقد عقدت خنصري على المسألة . فقال - حرس اللّه روحه - : قل - عافاك اللّه - ما بدا لك ، فأنت مجاب إليه ما دمت ضامنا لبلوغ إرادتنا منك ، وإصابة غرضنا بك . قلت : يؤذن لي في كاف المخاطبة ، وتاء المواجهة ، حتّى أتخلّص من مزاحمة الكناية ومضايقة التعريض ، وأركب جدد القول من غير تقيّة ولا تحاش ولا محاوشة ولا انحياش . قال : لك ذلك ، وأنت المأذون فيه ، وكذلك غيرك ، وما في كاف المخاطبة وتاء المواجهة ؟ إن اللّه تعالى - على علوّ شأنه ، وبسطة ملكه ، وقدرته على جميع خلقه - يواجه بالتاء والكاف ، ولو كان في الكناية بالهاء رفعة وجلالة وقدر ورتبة وتقديس وتمجيد لكان اللّه أحقّ بذلك ومقدّما فيه ، وكذلك رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم والأنبياء قبله - عليهم السلام - وأصحابه - رضي اللّه عنهم - والتابعون لهم بإحسان - رحمة اللّه عليهم - وهكذا الخلفاء ، فقد كان يقال للخليفة : يا أمير المؤمنين أعزّك اللّه ، ويا عمر أصلحك اللّه ، وما عاب هذا أحد ، وما أنف منه حسيب ولا نسيب ، ولا أباه كبير ولا شريف ، وإنّي لأعجب من قوم يرغبون عن هذا وشبهه ، ويحسبون أن في ذلك ضعة أو نقيصة أو حطّا أو زراية ، وأظن أنّ ذلك لعجزهم وفسولتهم « 2 » ، وانخزالهم وقلّتهم وضئولتهم ، وما يجدونه من الغضاضة في أنفسهم ، وأن هذا التكلّف والتجبّر يمحوان عنهم ذلك النقص ، وذلك النقص ينتفي بهذا الصلف ، هيهات ، لا تكون الرئاسة حتّى تصفو من شوائب الخيلاء ، ومن مقابح الزّهو والكبرياء . فقلت : أيّها الوزير ، قد خالطت العلماء ، وخدمت الكبراء وتصفّحت أحوال الناس في أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم ، فما سمعت هذا المعنى من أحد على هذه السّياقة الحسنة والحجّة الشافية والبلاغ المبين ، وقد قال بعض السلف الصالح : « ما تعاظم أحد على من دونه إلّا بقدر ما تصاغر لمن فوقه » . والتصاغر دواء النفس ، وسجيّة أهل البصيرة في الدنيا والدين ، ولذلك قال ابن السمّاك للرشيد - وقد عجب من رقّته وحسن إصاخته لموعظته وبليغ قبوله لقوله وسرعة دمعته على وجنته - : « يا أمير المؤمنين ، لتواضعك في شرفك أشرف من شرفك ، وإني أظنّ أنّ دمعتك هذه قد أطفأت أودية من النار وجعلتها بردا وسلاما » . قال : هذا باب مفترق فيه ، ورجعنا إلى الحديث فإنه شهيّ ، سيّما إذا كان من خطرات العقل ، قد خدم بالصواب في نغمة ناغمة ، وحروف متقاومة ، ولفظ عذب ،
هامش
( 1 ) النفاق ضد الكساد . ( 2 ) الخسة والضعف .
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 44 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / هيثم خليفة الطعيمي