تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
وأمّا قولهم : « هذا شيء خلق » ، فهو مضمّن معنيين : أحدهما يشار به إلى أنّ مادّته بالية ، والآخر أنّ نهاية زمانه قريبة . وكان ابن عبّاد قال لكاتبه مرّة - أعني ابن حسولة - في شيء جرى . . . « نعم ، العالم عتيق ولكن ليس بقديم » أي لو كان قديما لكان لا أوّل له ، ولمّا كان عتيقا كان له أوّل ، ومن أجل هذا الاعتقاد وصفوا اللّه تعالى بأنّه قديم ، واستحسنوا هذا الإطلاق . وقد سألت العلماء البصراء عن هذا الإطلاق ، فقالوا : ما وجدنا هذا في كتاب اللّه - عزّ وجلّ - ولا كلام نبيّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ولا في حديث الصحابة والتابعين . وسألت أبا سعيد السّيرافيّ الإمام : هل تعرف العرب أنّ معنى القديم ما لا أوّل له ؟ فقال : هذا ما صح عندنا عنهم ولا سبق إلى وهمنا هذا منهم ، إلّا أنهم يقولون : « هذا شيء قديم » و « بنيان قديم » ويسرّحون وهمهم في زمان مجهول المبدأ . فقال : قد مرّ في كلامك شيء يجب البحث عنه ، ما الفرق بين الحادث والمحدث والحديث ؟ فكان من الجواب أنّ الحادث ما يلحظ نفسه والمحدث ما يلحظ مع تعلّق بالذي كان عنه محدثا . والحديث كالمتوسّط بينهما مع تعلّق بالزمان ومن كان منه . وهاهنا شيء آخر ، وهو الحدثان والحدثان ، فأما الأول فكأنه لما هو « 1 » مضارع للحادث ، وأما الحدثان فكأنه اسم للزمان فقط ، لأنه يقال : « كان كذا وكذا في حدثان ما ولي الأمير » ، أي في أوّل زمانه ، وعلى هذا يدور أمر الحدث والأحداث والحادث والحوادث . « وفلان حدث ملوك » كله من ديوان واحد وواد واحد وسبك واحد . قال : « ما الفرق بين حدث وحدث » ؟ قلت : لا فرق بينهما إلا من وجهة أنّ حدث تابع لقدم ، لأنه يقال : أخذه ما قدم وما حدث ، فإذا قيل لإنسان : حدّث يا هذا . فكأنه قيل له : صل شيئا بالزمان يكون به في الحال ، لا تقدّم له من قبل . ثم رجعت فقلت : ولفوائد الحديث ما صنّف ( أبو زيد ) رسالة لطيفة الحجم في المنظر ، شريفة الفوائد في المخبر ، تجمع أصناف ما يقتبس من العلم والحكمة والتجربة في الأخبار والأحاديث ، وقد أحصاها واستقصاها وأفاد بها . وهي حاضرة . فقال : احملها واكتبها ، ولا تمل إلى البخل بها على عادة أصحابنا الغثاث . قلت : السمع والطاعة . ثم رويت أنّ عبد الملك بن مروان قال لبعض جلسائه : قد قضيت الوطر من كلّ شيء إلّا من محادثة الإخوان في الليالي الزّهر ، على التّلال العفر . وأحسن من هذا ما قال عمر بن عبد العزيز قال : واللّه إنّي لأشتري ليلة من
هامش
( 1 ) أي موضوع لما هو .