تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
محتاجة إلى الكفاية ، والقناعة مزّة فكهة ولكنّها فقيرة إلى البلغة ، وصيانة النفس حسنة إلّا أنّها كلفة محرجة إن لم تكن لها أداة تجدّها وفاشية « 1 » تمدّها ، وترك خدمة السلطان غير الممكن ولا يستطاع إلّا بدين متين ، ورغبة في الآخرة شديدة ، وفطام عن دار الدنيا صعب ، ولسان بالحلو والحامض يلغ . قال ابن السمّاك : لولا ثلاث لم يقع حيف ، ولم يسلّ سيف : لقمة أسوغ من لقمة ، ووجه أصبح من وجه ، وسلك « أنعم من سلك » ، وليس كلّ أحد له هذه القوّة ، ولا فيه هذه المنّة « 2 » والإنسان بشر ، وبنيته متهافتة وطينته منتثرة ، وله عادة طالبة ، وحاجة هاتكة ، ونفس جموح ، وعين طموح ، وعقل طفيف ، ورأي ضعيف ، يهفو لأوّل ريح ، ويستخيل لأوّل بارق ، هذا إذا تخلّص من قرناء السوء ، وسلم من سوارق العقل ، وكان له سلطان على نفسه ، وقهر لشهواته ، وقمع لهوائجه وقبول من ناصحه ، وتهيّؤ في سعيه ، وتبوّأ في معان حظّه ، وائتمام بسعادته ، واستبصار في طلب ما عند ربه ، واستنصاف من هواه المضلّ لعقله المرشد ، هذا قليل وصعب ولو قلت معدوم أو محال في هذا الزمن العسير والدهر الفاسد ، لما خفت عائقا يعوقني ، ولا حسودا يردّ قولي . قال ابن السّمّاك : اللّه المستعان على ألسن تصف وقلوب تعترف ، وأعمال تختلف . وقال معاوية لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث - ورآه لا يلي له عملا ، ولم يقبل منه نائلا - : يا ابن أخي ، هي الدنيا ، فإمّا أن ترضع معنا ، وإمّا أن ترتدع عنّا . وربّما قال بعض المتكلّفين : قد قال بعض السلف ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة ، ولا من ترك الآخرة للدنيا ولكنّ خيركم من أخذ من هذه وهذه . وهذا كلام مقبول الظاهر موقوف الباطن . وربما قال آخر من المتقدمين : ( اعمل لآخرتك كأنّك تموت غدا ، واعمل لدنياك كأنّك تعيش أبدا ) . وهذا أيضا كلام منمّق ، لا يرجع إلى معنى محقّق ، أين هو من قول المسيح - عليه السّلام - حين قال : الدنيا والآخرة كالمشرق والمغرب متى بعد أحدكم من أحدهما قرب من الآخر ، ومتى قرب من أحدهما بعد من الآخر . وأين هو من قول الآخر : الدنيا والآخرة ضرّتان ، متى أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى ، ومتى أسخطت إحداهما أرضيت الأخرى . وهذا لأنّ الإنسان صغير الحجم ، ضعيف الحول ، لا يستطيع أن يجمع بين شهواته وأخذ حظوظ بدنه وإدراك إرادته ، وبين السعي في طلب المنزلة عند ربّه بأداء فرائضه ، والقيام بوظائفه ، والثبات على حدود أمره ونهيه .
هامش
( 1 ) تجدها أي تجدها ، والفاشية : ما انتشر من المال . ( 2 ) أي القوة .