تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
فإن صفق وجهه وقال : نعمل تارة لهذه الدار وتارة لتلك الدار ، فهذا المذبذب الّذي لا هو من هذه ولا من هذه ، ومن تخنّث وتليّث لم يكن رجلا ولا امرأة ، ولا يكون أبا ولا أما ، وهذا كما نرى . ونرجع فنقول : ونعوذ باللّه من الفقر خاصّة إذا لم يكن لصاحبه عياذ من التقوى ، ولا عماد من الصبر ، ولا دعامة من الأنفة ، ولا اصطبار على المرارة . وقد بلينا بهذا الدهر الخالي من الربّانيين الذين يصلحون أنفسهم ويصلحون غيرهم بفضل صلاحهم ، الخاوي من الكرام الذين كانوا يتّسعون في أحوالهم ، ويوسّعون على غيرهم من سعتهم ، وكانوا يهتمّون بذخائر الشكر المعجّل في الدنيا ، ويحرصون على ودائع الأجر المؤجّل في الأخرى ، ويتلذّذون بالثناء ، ويهتزّون للدعاء ، وتملكهم الأريحيّة عند مسألة المحتاج ، وتعتريهم الهزّة معها والابتهاج وذلك لعشقهم الثناء الباقي ، والصنيع الواقي ، ويرون الغنيمة في الغرامة ، والرّبح في البذل ، والحظّ في الإيثار ، والزيادة في النقص ، أعني بالزيادة : الخلف المنتظر من اللّه ، وبالنقص : العطاء ، ورأيت الناس يعيبون ابن العميد حين قال : أنا أعجب من جهل الشاعر الذي قال :
أنت للمال إذا أمسكته * فإذا أنفقته فالمال لك
قال : ولو كان هذا صحيحا كان لا ينبغي أن يكتسب المال ، لأنّه ليس في ترك كسبه أكثر من إخراجه بالإنفاق . هذا لقولهم بحكمته وعقله وتحصيله ، وصواب الجاهل لا يستحسن كما يستقبح خطأ العاقل . نعم ، وكانوا إذا ولوا عدلوا ، وإذا ملكوا أفضلوا ، وإذا أعطوا أجزلوا ، وإذا سئلوا أجابوا وإذا جادوا أطابوا ، وإذا عالوا صبروا ، وإذا نالوا شكروا ، وإذا أنفقوا واسوا ، وإذا امتحنوا تأسّوا ، وكانوا يرجعون إلى نقائب ميمونة ، وإلى ضرائب « 1 » مأمونة ، وإلى ديانات قويّة ، وأمانات ثخينة ، وكان لهم مع اللّه أسرار طاهرة ، وعلانية مقبولة ، ومع عباد اللّه معاملة جميلة ، ورحمة واسعة ومعدلة فاشية ، وكانت تجارتهم في العلم والحكمة ، وعادتهم جارية على الضّيافة والتّكرمة ، وكانت شيمتهم الصفح والمغفرة وربحهم من هذه الأحوال النجاة والكرامة في الأولى والعاقبة ، وكانوا إذا تلاقوا تواصوا بالخير ، وتناهوا عن الشرّ ، وتنافسوا في اتّخاذ الصنائع ، وادّخار البضائع ( أعني صنائع الشكر ، وبضائع الأجر ) . فذهب هذا كلّه ، وتاه أهله ، وأصبح الدّين وقد أخلق لبوسه ، وأوحش مأنوسه ،
هامش
( 1 ) أي الطبائع والسجايا .
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 41 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / هيثم خليفة الطعيمي