تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
فأول ما أبدأك به أنّني ظننت ظنا لا كيقين أنّ شيئا ممّا كنت فيه مع الوزير - أدام اللّه أيّامه ، وقصم أعداءه - ليس مما يهمّك ، ولا هو مما يقرع سمعك سماعك له ، وحسبت أيضا أنّني إن بدأت بشيء منه رذلتني عليه وتنقّصتني به ، وزريت عليّ فيه ، وأنّك ربّما قلت : لم بدأت بما لم أسألك عنه ولم أرخّص لك فيه ، هلّا كظمت على جرّتك ، وطويت ما بين جنبيك وما عليّ ممّا يدور بين الصاحب وخادمه والرؤساء ، والناظرين في أمور الدهماء « 1 » والمتصفحين لأحوال العامّة والخاصّة ، ولهم أسرار وغيوب لا يقف عليها أقرب الناس إليهم ، وأعزّ الناس عليهم ، وأنت أيضا فلم تسألني عنه ، فكان في تقديري أنّك قد عرفت وصولي في وقت دون وقت ، وأنّك قد حملت أمري على الخدمة التي ليس للعلم بها فائدة ، ولا في الإعراض عنها فائتة . وإذ جرى الأمر على غير ما كان في حسابي وتلبّس بظني ، فإنّي أهدي ذلك كلّه بغثاثته وسمانته ، وحلاوته ومرارته ، ورقّته وخثارته في هذا المكان ، ثمّ أنت أبصر بعد ذلك في كتمانه وإفشائه ، وحفظه وإضاعته وستره وإشاعته ، وو اللّه ما أرى هذا أمرا صعبا إذا وصل إلى مرادك ولا كلفة شاقّة إذا أكسبني مرضاتك ، وإن كان ذلك يمرّ بأشياء كثيرة ومختلفة ، متعصّية غريبة ، منها ما يشيط به الدم المحقون ، وينزع من أجله الرّوح العزيز ، ويستصغر معه الصّلب ، ولا يقنع فيه بالعذاب الأدنى دون العذاب الأكبر ، وإن كان فيها أيضا غير ذلك ممّا يضحك السّنّ ، ويفكّه النفس ، ويدعو إلى الرشاد ، ويدلّ على النّصح ، ويؤكّد الحرمة ، ويعقد الذّمام ، وينشر الحكمة ، ويشرّف الهمّة ، ويلقح العقل ، ويزيد في الفهم والأدب ويفتح باب اليمن والبركة ، وينفّق بضاعة أهل العلم في السوق الكاسدة ، ويوقظ العيون الناعسة ، ويبلّ الشّنّ المتغضّف ، ويندّي الطّين المترشّف ، ويكون سببا قويا على حسن الحال وطيب العيش ، فإن هذه العاجلة محبوبة ، والرّفاهية مطلوبة ، والمكانة عند الوزراء بكلّ حول وقوّة مخطوبة ، والدنيا حلوة خضرة وعذبة نضرة ، ومن شفّ « 2 » أمله شقّ عمله ، ومن اشتدّ إلحاحه ، توالى غدوّه ورواحه ، ومن أسره رجاؤه ، طال عناؤه ، وعظم بلاؤه ، ومن التهب طمعه وحرصه ، ظهر عجزه ونقصه . وفي الجملة :
من لم يكن للّه متّهما * لم يمس محتاجا إلى أحد
ولا بدّ من فتى يعين على الدّهر ، ويغني عن كرام الناس فضلا عن لئامهم ، ويذلّل قعود الصبر ، ويجمّ راحلة الأمل ، ويحلي مرّ اليأس ، والعزلة محمودة إلّا أنّها
هامش
( 1 ) أي جماعة الناس . ( 2 ) أي زاد ، أو أسقمه .