تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
فاتّفق رأينا على ذلك ، فغدونا وصرنا إلى أبي زكرياء الزّاهد ، فلما دخلنا رحّب بنا ، وفرح بزيارتنا ، وقال : ما أشوقني إليكم ، وما ألهفني عليكم ! الحمد للّه الذي جمعني وإياكم في مقام واحد ، حدّثوني ما الذي سمعتم ، وما ذا بلغكم من حديث الناس ، وأمر هؤلاء السّلاطين ؟ فرّجوا عنّي ، وقولوا لي ما عندكم ، فلا تكتموني شيئا فمالي واللّه مرعىّ في هذه الأيّام إلّا ما اتصل بحديثهم ، واقترن بخبرهم ! فلما ورد علينا من هذا الزّاهد العابد ما ورد ، دهشنا واستوحشنا ، وقلنا في أنفسنا : انظروا من أي شيء هربنا ، وبأيّ شيء علقنا ، وبأيّ داهية دهينا . قال : فخفّفنا الحديث وانسللنا ، فلمّا خرجنا قلنا : أرأيتم ما بلينا به ، وما وقعنا عليه ،
إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ
[ الصافات : 106 ] . ميلوا بنا إلى أبي عمرو الزّاهد فله فضل وعبادة وعلم وتفرّد في صومعته حتى نقيم عنده إلى آخر النّهار ، فقد نبا بنا المكان الأوّل ، وبطل قصدنا فيما عزمنا عليه من العمل . فمشينا إلى أبي عمرو الزّاهد واستأذنّا ، فأذن لنا ، ووصلنا إليه فسرّ بحضورنا ، وهش لرؤيتنا ، وابتهج بقصدنا ، وأعظم زيارتنا ، ثم قال : يا أصحابنا ما عندكم من حديث الناس ؟ فقد واللّه طال عطشي إلى شيء أسمعه ، ولم يدخل عليّ اليوم أحد فأستخبره ، وإنّ أذني لدى الباب لأسمع قرعة أو أعرف حادثة ، فهاتوا ما معكم وما عندكم ، وقصّوا عليّ القصّة بفصّها ونصّها ، ودعوا التّورية والكناية ، واذكروا الغثّ والثمين ، فإنّ الحديث هكذا يطيب ، ولولا العظم ما طاب اللّحم ، ولولا النّوى ما حلا التّمر ، ولولا القشر لم يوجد اللّب . فعجبنا من هذا الزّاهد الثاني أكثر من عجبنا من الزّاهد الأوّل ، وخاطفناه الحديث ، وودّعناه ، وخرجنا ، وأقبل بعضنا على بعض يقول : أرأيتم أظرف من أمرنا وأغرب من شأننا ؟ انظروا من أيّ شيء كان تعريجنا
إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ
[ ص : 5 ] وتلدّدنا وتبلّدنا وقلنا : يا أصحابنا : انطلقوا إلى أبي الحسن الضرير ، وإن كان مضربه بعيدا فإنّا لا نجد سكوننا إلّا معه ، ولا نظفر بضالّتنا إلّا عنده ، لزهده وعبادته وتوحّده وشغله بنفسه مع زمانته في بصره ، وورعه ، وقلّة فكره في الدّنيا وأهلها . وطوينا الأرض إليه ، ودخلنا عليه ، وجلسنا حواليه في مسجده ، ولمّا سمع بنا أقبل على كلّ واحد منّا يلمسه بيده ويرحّب به ، ويدعو له ويقرّب ، فلمّا انتهى أقبل علينا وقال : أمن السماء نزلتم عليّ ؟ واللّه لكأنّي قد وجدت بكم مأمولي ، وأحرزت غاية سولي ، قولوا لي غير محتشمين : ما عندكم من أحاديث النّاس ؟ وما عزم عليه هذا الوارد ؟ وما يقال في أمر ذلك الهارب إلى قايين ، وما الشائع من الأخبار ؟ وما الذي يتهامس به ناس دون ناس ؟ وما يقع في هواجسكم ويستبق إلى نفوسكم ؟ فإنّكم برد الآفاق ، وجوّالة الأرض ، ولقّاطة الكلام ، ويتساقط إليكم من الأقطار ما يتعذّر على عظماء الملوك وكبراء الناس .