تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
قال : وفارق الوزير حضرة الخليفة ، وعمل بما أمر به على الوجه اللّطيف ، فعادت الحال ترفّ بالسّلامة العامّة ، والعافية التامّة ، فتقدّم إلى الشّيخ التّبّان برفع حال من يقعد عنده حتّى يواسى إن كان محتاجا ، ويصرّف إن كان متعطّلا ، وينصح إن كان متعقّلا . فقال الوزير : ما سمعت مثل هذا قطّ ، وما ظننت أن الخطب في مثل هذا يبلغ هذا القدر ، فهات الجواب الآخر الّذي حفظته عن الصّوفيّ . فقلت : إن كان هذا كافيا فإنّ ذلك فضل . فقال : هكذا هو ، وإنّ فيما مرّ لكفاية ، وما يزيد على الكفاية ، ولكنّ الزّيادة من العلم داعية إلى الزيادة من العمل ، والزّيادة من العمل جالبة الانتفاع بالعلم ، والانتفاع بالعلم دليل على سعادة الإنسان ، وسعادة الإنسان مقسومة على اقتباس العلم والتماس العمل ، حتّى يكون بأحدهما زارعا ، وبالآخر حاصدا ، وبأحدهما تاجرا ، وبالآخر رابحا . فوصلت الحديث وقلت : حدّثني شيخ من الصّوفيّة في هذه الأيّام قال : كنت بنيسابور سنة سبعين وثلاثمائة ، وقد اشتعلت خراسان بالفتنة ، وتبلبلت دولة آل سامان بالجور وطول المدّة ، فلجأ محمّد بن إبراهيم صاحب الجيش إلى قايين ، وهي حصنه ومعقله ، وورد أبو العبّاس صاحب جيش آل سامان نيسابور بعدّة عظيمة ، وعدّة عميمة ، وزينة فاخرة ، وهيئة باهرة ، وغلا السّعر وأخيفت السّبل ، وكثر الإرجاف ، وساءت الظّنون ، وضجّت العامّة ، والتقس الرأي ، وانقطع الأمل ، ونبح كلب كلب من كلّ زاوية ، وزأر كلّ أسد من كلّ أجمة ، وضبح كلّ ثعلب من كلّ تلعة . قال : وكنّا جماعة غرباء نأوي إلى دويرة الصّوفيّة لا نبرحها ، فتارة نقرأ ، وتارة نصلّي ، وتارة ننام ، وتارة نهذي ، والجوع يعمل عمله ، ونخوض في حديث آل سامان ، والوارد من جهتهم إلى هذا المكان ، ولا قدرة لنا على السّياحة لانسداد الطّرق ، وتخطّف الناس للناس ، وشمول الخوف ، وغلبة الرّعب ، وكان البلد يتّقد نارا بالسّؤال والتّعرّف والإرجاف بالصّدق والكذب ، وما يقال بالهوى والعصبيّة ، فضاقت صدورنا ، وخبثت سرائرنا واستولى علينا الوسواس ، وقلنا ليلة : ما ترون يا صحابنا ما دفعنا إليه من هذه الأحوال الكريهة ، كأنّا واللّه أصحاب نعم وأرباب ضياع نخاف عليها الغارة والنّهب ، وما علينا من ولاية زيد ، وعزل عمرو ، وهلاك بكر ، ونجاة بشر ، نحن قوم قد رضينا في هذه الدنيا العسيرة ، ولهذه الحياة القصيرة ، بكسرة يابسة ، وخرقة بالية ، وزاوية من المسجد مع العافية من بلايا طلّاب الدّنيا . فما هذا الذي يعترينا من هذه الأحاديث التي ليس لنا فيها ناقة ولا جمل ، ولا حظّ ولا أمل ، قوموا بنا غدا حتى نزور أبا زكريّا الزاهد ، ونظلّ نهارنا عنده لاهين عمّا نحن فيه ، ساكنين معه ، مقتدين به .