تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
غرّ ، وقريب العهد بالكون ، وجاهل بالحال ، وعار من التّجربة ، كذلك الرّعيّة الشبيهة بالولد ، وكذلك الملك الشبيه بالوالد ، ومما يزيد هذا المعنى كشفا ، ويكسبه لطفا ، أنّ الملك لا يكون ملكا إلّا بالرّعيّة ، كما أنّ الرّعيّة لا تكون رعيّة إلا بالملك ، وهذا من الأحوال المتضايفة ، والأسماء المتناصفة ، وبسبب هذه العلاقة المحكمة والوصلة الوشيجة ، ما لهجت العامّة بتعرّف حال سائسها ، والناظر في أمرها ، والمالك لزمامها ، حتى تكون على بيان من رفاهة عيشها ، وطيب حياتها ، ودرور مواردها ، بالأمن الفاشي بينها ، والعدل الفائض عليها ، والخير المجلوب إليها ، وهذا أمر جار على نظام الطبيعة ، ومندوب إليه أيضا في أحكام الشريعة . قال : ولو قالت الرّعيّة لسلطانها : لم لا نخوض في حديثك ، ولا نبحث عن غيب أمرك ، ولم لا نسأل عن دينك ونحلتك وعادتك وسيرتك ؟ ولم لا نقف على حقيقة حالك في ليلك ونهارك ، ومصالحنا متعلّقة بك ، وخيراتنا متوقّعة من جهتك ، ومسرّتنا ملحوظة بتدبيرك ، ومساءتنا مصروفة باهتمامك ، وتظلّمنا مرفوع بعزّك ، ورفاهيتنا حاصلة بحسن نظرك وجميل اعتقادك ، وشائع رحمتك وبليغ اجتهادك ، ما كان جواب سلطانها وسائسها ؟ أما كان عليه أن يعلم أنّ الرّعيّة مصيبة في دعواها الّتي بها استطالت ، بلى واللّه ، الحقّ معترف به وإن شغب الشاغب ، وأعنت المعنت . قال : ولو قالت الرّعية أيضا : ولم لا تبحث عن أمرك ؟ ولم لا تسمع كلّ غثّ وسمين منّا ! وقد ملكت نواصينا ، وسكنت ديارنا ، وصادرتنا على أموالنا ، وحلت بيننا وبين ضياعنا ، وقاسمتنا مواريثنا ، وأنسيتنا رفاغة « 1 » العيش ، وطيب الحياة ، وطمأنينة القلب ، فطرقنا مخوفة ، ومساكننا منزولة ، وضياعنا مقطعة ، ونعمنا مسلوبة ، وحريمنا مستباح ، ونقدنا زائف ، وخراجنا مضاعف ، ومعاملتنا سيّئة ، وجنديّنا متغطرس ، وشرطيّنا منحرف ، ومساجدنا خربة ، ووقوفها منتهبة ، ومارستاناتنا خاوية ، وأعداؤنا مستكلبة ، وعيوننا سخينة ، وصدورنا مغيظة ، وبليّتنا متّصلة ، وفرحنا معدوم . ما كان الجواب أيضا عمّا قالت وعمّا لم تقل ، هيبة لك ، وخوفا على أنفسها من سطوتك وصولتك ؟ وحكى لنا في عرض هذا الكلام أنّه رفع إلى الخليفة المعتضد أنّ طائفة من النّاس يجتمعون بباب الطاق ويجلسون في دكّان شيخ تبّان ، ويخوضون في الفضول والأراجيف وفنون من الأحاديث ، وفيهم قوم سراة وتنّاء « 2 » وأهل بيوتات سوى من يسترق السّمع منهم من خاصّة الناس ، وقد تفاقم فسادهم وإفسادهم ، فلمّا عرف الخليفة ذلك ضاق ذرعا ، وحرج صدرا ، وامتلأ غيظا ، ودعا بعبيد اللّه بن سليمان ، ورمى بالرّفيعة « 3 » إليه ، وقال : انظر فيها وتفهّمها . ففعل ، وشاهد من تربّد وجه المعتضد ما أزعج ساكن صدره ، وشرّد
هامش
( 1 ) خفضه ولينه . ( 2 ) الرؤساء . ( 3 ) الرقعة المرفوعة .