تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
بعد ذلك على الانتصاف وأخذ الثأر ، وتذمّ السّفه وقمع العدوّ ! وهكذا شأنها في جميع الأخلاق ، أعني أنّها ربّما حضّت على القناعة والصّبر والرّضا بالميسور ، وربّما خالفت هذا ، فأخذت تذكر أنّ ذلك فسالة ونقصان همّة ولين عريكة ومهانة نفس ، وكذلك أيضا تحثّ على البسالة والإقدام والانتصار والحميّة والجسارة ، وربّما عدلت إلى أضداد هذه الأخلاق والسّجايا والضّرائب والأحوال ، في أوقات يحسن فيها بعضها ، ويقبح بعضها ، ويعذر صاحبها في بعضها ، ويلام في بعضها ، وذلك لأنّ الطبائع مختلفة ، والغرائز متعادية ، فهذا يمدح البخل في عرض الحزم ، وهذا يحمد الاقتصاد في جملة الاحتياط ، وهذا يذمّ الشّجاعة في عرض طلب السّلامة ، وليس في جميع الأخلاق شيء يحسن في كلّ زمان وفي كلّ مكان ، ومع كلّ إنسان ، بل لكلّ ذلك وقت وحين وأوان . قال : ولعمري إنّ القيام بحقائق هذه الأشياء وحدودها صعب ، لأنّها لا توجد إلّا متلابسة ومتداخلة ، وتخليص كلّ واحد منها بحدّه وحقيقته ووزنه ممّا يفوت ذرع الإنسان الضعيف المنّة ، المنتثر الطّينة . قال : ومنه أنّ الحكيم قال للإسكندر : « أيّها الملك أرد حياتك لرجالك ، ولا ترد رجالك لحياتك » ، ولو قلب عليه قالب فقال : لا : « ولكن أرد رجالك لحياتك ، ولا ترد حياتك لرجالك » ، لكان الفضل واقعا ، والدّعوى قائمة . وكان يحكى عن أعرابيّ حديث مضحك : قيل لأعرابيّ : أتريد أن تصلب في مصلحة الأمّة ؟ فقال : لا ، ولكني أحبّ أن تصلب الأمّة في مصلحتي . قال : وليس يجوز أن يكون الناس مختلفين في ظاهرهم بالصّور والحلى حتى يعرف بها زيد من عمرو ، وبكر من خالد ، ولا يختلفون في باطنهم حتى يكون هذا مطبوعا على الشحّ وإن مدح الجود ، وهذا مجبولا على الجبن ، وإن تشيّع للشجاعة ، وليس يجوز في الحكمة أن يكثروا ولا يختلفوا ، وليس يجوز أيضا أن يضمّ الجنس والنّوع ولا يأتلفوا ، وكلّ ما أساغته الحكمة أبرزته القدرة ، وكلّ ما جادت به القدرة شهدت له الحكمة ، فسبحان من له هذا التّدبير اللّطيف ، وهذا العزّ الغالب ، وهذا السّرّ الخافي ، وهذه العلانية البادية ، وهذا الفعل المحكم ، وهذا النّعت المستعظم . وحكيت أيضا في شيء جرى ، قال حكماء فارس : قد جرّبنا الملوك ، فإذا ملكنا السّمح الجواد جادت علينا السماء والأرض ، وإذا ملكنا البخيل بخلت علينا السماء والأرض . قال أبو سليمان : هذا إذا صحّ فهو شاهد الفيض الإلهيّ المتّصل بالملك السّمح ، ونضوبه عن الملك البخيل لأنّ الملك إله بشري . وقال مرّة : ما التّمنّي ؟ - وقد كان جرى ما اقتضى السّؤال عنه - .