تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
آلف صبره ، وقال : قد فهمت يا أمير المؤمنين . قال : فما الدّواء ؟ قال : تتقدّم بأخذهم وصلب بعضهم وإحراق بعضهم وتغريق بعضهم ، فإنّ العقوبة إذا اختلفت ، كان الهول أشدّ ، والهيبة أفشا ، والزّجر أنجع ، والعامّة أخوف . فقال المعتضد - وكان أعقل من الوزير - : واللّه لقد برّدت لهيب غضبي بفورتك هذه ، ونقلتني إلى اللّين بعد الغلظة ، وحططت عليّ الرّفق ، من حيث أشرت بالخرق ، وما علمت أنّك تستجيز هذا في دينك وهديك ومروءتك ، ولو أمرتك ببعض ما رأيت بعقلك وحزمك لكان من حسن المؤازرة ومبذول النّصيحة والنّظر للرّعيّة الضّعيفة الجاهلة أن تسألني الكفّ عن الجهل ، وتبعثني على الحلم ، وتحبّب إليّ الصّفح وترغّبني في فضل الإغضاء على هذه الأشياء . وقد ساءني جهلك بحدود العقاب وبما تقابل به هذه الجرائر ، وبما يكون كفأ للذّنوب ، ولقد عصيت اللّه بهذا الرّأي ودللت على قسوة القلب وقلّة الرّحمة ويبس الطّينة ورقّة الدّيانة ، أما تعلم أن الرّعيّة وديعة اللّه عند سلطانها ؟ وأنّ اللّه يسائله عنها كيف سستها ؟ ولعلّه لا يسألها ، وإن سألها فليؤكّد الحجّة عليه منها ، ألا تدري أنّ أحدا من الرّعيّة لا يقول ما يقول إلّا لظلم لحقه أو لحق جاره ، وداهية نالته أو نالت صاحبا له ؟ وكيف نقول لهم : كونوا صالحين أتقياء مقبلين على معايشكم ، غير خائضين في حديثنا ، ولا سائلين عن أمرنا ، والعرب تقول في كلامها : غلبنا السلطان فلبس فروتنا ، وأكل خضرتنا . وحنق المملوك على المالك معروف ، وإنما يحتمل السّيّد على صروف تكاليفه ، ومكاره تصاريفه ، إذا كان العيش في كنفه رافغا ، والأمل فيه قويّا ، والصّدر عليه باردا ، والقلب معه ساكنا ، أتظنّ أن العمل بالجهل ينفع ، والعذر به يسمع ، لا واللّه ما الرأي ما رأيت ، ولا الصّواب ما ذكرت ، وجّه صاحبك وليكن ذا خبرة ورفق ، ومعروفا بخير وصدق ، حتّى يعرف حال هذه الطائفة ، ويقف على شأن كل واحد منها في معاشه ، وقدر ما هو متقلّب فيه ومنقلب إليه ، فمن كان منهم يصلح للعمل فعلّقه به ، ومن كان سيّئ الحال فصله من بيت المال بما يعيد نضرة حاله ، ويفيده طمأنينة باله ، ومن لم يكن من هذا الرّهط ، وهو غنيّ مكفيّ ، وإنما يخرجه إلى دكّان هذا التّبّان البطر والزهو ، فادع به ، وانصحه ، ولاطفه ، وقل له : إنّ لفظك مسموع ، وكلامك مرفوع ، ومتى وقف أمير المؤمنين على كنه ذلك منك لم تجدك إلّا في عرصة المقابر ، فاستأنف لنفسك سيرة تسلم بها من سلطانك ، وتحمد عليها عند إخوانك ، وإيّاك أن تجعل نفسك عظة لغيرك بعد ما كان غيرك عظة لك ، ولولا أنّ الأخذ بالجريرة الأولى مخالف للسّيرة المثلى ، لكان هذا الّذي تسمعه ما تراه ، وما تراه تودّ أنك لو سمعته قبل أن تراه . فإنّك يا عبيد اللّه إذا فعلت ذلك فقد بالغت في العقوبة ، وملكت طرفي المصلحة ، وقمت على سواء السّياسة ، ونجوت من الحوب والمأثم في العاقبة .