تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
فورد علينا من هذا الإنسان ما أنسى الأوّل والثاني ، ومما زاد في عجبنا أنّا كنا نعدّه في طبقة فوق طبقات جميع النّاس فخفّفنا الحديث معه ، وودّعناه ، وخنسنا من عنده ، وطفقنا نتلاوم على زيارتنا لهؤلاء القوم لما رأينا منهم ، وظهر لنا من حالهم ، وازدريناهم . وانقلبنا متوجّهين إلى دويرتنا التي غدونا منها مستطرقين كالّين ، فلقينا في الطريق شيخا من الحكماء يقال له أبو الحسن العامريّ ، وله كتاب في التصوّف قد شحنه بعلمنا وإشارتنا ، وكان من الجوّالين الّذين نقّبوا في البلاد واطّلعوا على أسرار اللّه في العباد ، فقال لنا : من أين درجتم ، ومن قصدتم . فأجلسناه في مسجد ، وعصبنا حوله ، وقصصنا عليه قصّتنا من أوّلها إلى آخرها ، ولم نحذف منها حرفا . فقال لنا : في طيّ هذه الحال الطارئة غيب لا تقفون عليه ، وسرّ لا تهتدون إليه ، وإنما غرّكم ظنّكم بالزّهاد ، وقلتم لا ينبغي أن يكون الخبر عنهم كالخبر عن العامّة ، لأنهم الخاصّة ، ومن الخاصّة خاصة الخاصة ، لأنّهم باللّه يلوذون ، وإيّاه يعبدون ، وعليه يتوكّلون ، وإليه يرجعون ، ومن أجله يتهالكون ، وبه يتمالكون . قلنا له : فإن رأيت يا معلّم الخير أن تكشف عنّا هذا الغطاء ، وترفع هذا السّتر ، وتعرّفنا منه ما وهب اللّه لك من هذا الغيب ، لنكون شاكرين ، وتكون من المشكورين . فقال : نعم ، أمّا العامّة فإنّها تلهج بحديث كبرائها وساستها لما ترجو من رخاء العيش وطيب الحياة وسعة المال ودرور المنافع واتصال الجلب ونفاق السّوق وتضاعف الرّبح ، فأما هذه الطائفة العارفة باللّه ، العاملة للّه ، فإنها مولعة أيضا بحديث الأمراء ، والجبابرة العظماء ، لتقف على تصاريف قدرة اللّه فيهم ، وجريان أحكامه عليهم ، ونفوذ مشيئته في محابّهم ومكارههم في حال النّعمة عليهم ، والانتقام منهم ، ألا ترونه قال جلّ ثناؤه :
حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ
[ الأنعام : 44 ] ، وبهذا الاعتبار يستنبطون خوافي حكمته ، ويطّلعون على تتابع نعمته وغرائب نقمته ، وهاهنا يعلمون أنّ كلّ ملك سوى ملك اللّه زائل ، وكلّ نعيم غير نعيم الجنّة حائل ، ويصير هذا كلّه سببا قويا لهم في الضّرع إلى اللّه ، واللّياذ باللّه ، والخشوع للّه ، والتوكّل على اللّه ، وينبعثون به من حران الإباء ، إلى انقياد الإجابة ، ويتنبّهون من رقدة الغفلة ، ويكتحلون باليقظة من سنة السّهو والبطالة ، ويجدّون في أخذ العتاد ، واكتساب الزاد إلى المعاد ، ويعملون في الخلاص من هذا المكان الحرج بالمكاره ، المحفوف بالرّزايا ، الّذي لم يفلح فيه أحد إلّا بعد أن هدّمه وثلمه ، وهرب منه ، ورحل عنه إلى محلّ لا داء فيه ولا غائلة ، ساكنه خالد ، ومقيمه مطمئن ، والفائز به منعّم ، والواصل إليه مكرّم ، وبين الخاصّة والعامّة في هذه الحال وفي غيرها فرق يضح لمن رفع اللّه طرفه إليه ، وفتح باب السّرّ فيه عليه ، قد يتشابه الرّجلان في فعل ،