ذكر الأصمعيّ أن أعرابيّا خرج في سفر ومعه جماعة ، فأرمل « 1 » بعضهم من الزاد ، وحضر وقت الغداء وجعل بعضهم ينتظر بعضا بالغداء ، فلمّا أبطأ ذلك عليهم عمد بعضهم إلى زاده فألقاه بين يدي القوم ، فأقبلوا يأكلون ، وجلس صاحب الزاد بعيدا للتّوفير عليهم ، فصاح به أعرابي : يا سؤدداه ! وهل شرف أفضل من إطعام الطعام والإيثار به في وقت الحاجة إليه ؟ لقد آثرت في مخمصة ويوم مسغبة ، وتفرّدت بمكرمة قعد عنها من أرى من نظرائك ، فلا زالت نعم اللّه عليك غادية ورائحة .
وفي مثله يقول حاتم الطائيّ :
أكفّ يدي من أن تنال أكفّهم * إذا ما مددناها وحاجاتنا معا
وإنّي لأستحيي رفيقي أن يرى * مكان يدي من جانب الزّاد أقرعا
قال : المخمصة : المجاعة . والخمص : الجوع .
قال شاعر يذمّ رجلا :
يرى الخمص تعذيبا وإن يلق شبعة * يبت قلبه من قلّة الهمّ مبهما
وقال المرقّش الأكبر :
إن يخصبوا يغنوا بخصبهم * أو يجدبوا فجدوبهم ألم
وكتب بعضهم إلى أخ له : إن رأيت أن تروي ظمأ أخيك بقربك ، وتبرّد غليله بطلعتك ، وتؤنس وحشته بأنسك ، وتجلو غشاء ناظره بوجهك ، وتزيّن مجلسه بجمال حضورك ، وتجعل غداءك عنده في منزلك الذي هو فيه ساكن ، وتمّمت له السرور بك باقي يومك ، مؤثرا له على شغلك ، فعلت - إن شاء اللّه - .
وقال الشاعر :
وكأنّ هدر دمائهم في دورهم * لغط القبيل على خوان زياد
قال بعض الخطباء : العجب من ذي جدة منعم عليه يطوي جاره جوعا وقرّا ، وأفرخه شعث جرد من الرّيش ، وهو مبطان محتش من حلوه وحامضه ، مكتنّ في كنّه ودفئه ، مزيّن له شهوة عن أداء الذي عليه لجاره وقريبه وذي حلّة بطر رفه ، كيف يأمن سلبا مفاجئا ؟ أما لو وجّه بعض فضله إلى ذي حاجة إليه كان مستديما لما أولي ، مستزيدا ممّا أوتي .
قال الشاعر « 2 » :
وإذا تأمّل شخص ضيف مقبل * متسربل سربال محل أغبر
أوما إلى الكوماء هذا طارق * نحرتني الأعداء إن لم تنحري
هامش
( 1 ) فرغ ما عنده .
( 2 ) العلوي صاحب الزنج .