تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩

الليلة الخامسة والعشرون

وقال - أدام اللّه دولته - ليلة : أحبّ أن أسمع كلاما في مراتب النّظم والنّثر ، وإلى أيّ حدّ ينتهيان ، وعلى أيّ شكل يتّفقان ، وأيّهما أجمع للفائدة ، وأرجع بالعائدة ، وأدخل في الصّناعة ، وأولى بالبراعة ؟ ؟ فكان الجواب : إنّ الكلام على الكلام صعب . قال : ولم ؟ قلت : لأنّ الكلام على الأمور المعتمد فيها على صور الأمور وشكولها التي تنقسم بين المعقول وبين ما يكون بالحسّ ممكن ، وفضاء هذا متّسع ، والمجال فيه مختلف . فأمّا الكلام على الكلام فإنّه يدور على نفسه ، ويلتبس بعضه ببعضه ، ولهذا شقّ النّحو وما أشبه النّحو من المنطق ، وكذلك النّثر والشّعر وعلى ذلك . وقد قال الناس في هذين الفنّين ضروبا من القول لم يبعدوا فيها من الوصف الحسن ، والإنصاف المحمود ، والتّنافس المقبول ، إلّا ما خالطه من التعصّب والمحك ، لأنّ صاحب هذين الخلقين لا يخلو من بعض المكابرة والمغالطة وبقدر ذلك يصير له مدخل فيما يراد تحقيقه من بيان الحجة أو قصورها عما يرام من البلوغ بها ، وهذه آفة معترضة في أمور الدّين والدّنيا ، ولا مطمع في زوالها ، لأنّها ناشئة من الطّبائع المختلفة ، والعادات السّيّئة ، لكنّي مع هذه الشّوكة الحادّة ، والخطّة الكادّة ، أقول ما وعيته عن أرباب هذا الشّأن ، والمنتمين لهذا الفن ، وإن عنّ شيء يكون شكلا لذلك وصلته به تكميلا للشّرح ، واستيعابا للباب ، وصمدا « 1 » للغاية ، وأخذا بالحياطة ، وإن كان المنتهى منه غير مطموع فيه ، ولا موصول إليه ، واللّه المعين . قال شيخنا أبو سليمان : الكلام ينبعث في أوّل مبادئه إمّا من عفو البديهة ، وإمّا من كدّ الرّويّة ، وإمّا أن يكون مركّبا منهما ، وفيه قواهما بالأكثر والأقلّ ، فضيلة عفو البديهة أنّه يكون أصفى ، وفضيلة كدّ الرّويّة أنه يكون أشفى ، وفضيلة المركّب منهما أنه يكون أوفى ، وعيب عفو البديهة أن تكون صورة العقل فيه أقلّ ، وعيب كدّ الرويّة أن تكون صورة الحسّ فيه أقلّ ، وعيب المركّب منهما بقدر قسطه منهما : الأغلب والأضعف ، على أنّه إن خلص هذا المركّب من شوائب التكلّف ، وشوائن التّعسّف ،
هامش
( 1 ) أي قصدا إليها .
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 249 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / هيثم خليفة الطعيمي