تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
هو مدوّن في كتب القوافي والعروض لأربابها الذين استنفدوا غايتهم فيها . وقال عيسى الوزير : النّثر من قبل العقل ، والنّظم من قبل الحسّ ، ولدخول النّظم في طيّ الحسّ دخلت إليه الآفة ، وغلبت عليه الضّرورة ، واحتيج إلى الإغضاء عمّا لا يجوز مثله في الأصل الذي هو النثر . وقال ابن طرّارة - وكان من فصحاء أهل العصر بالعراق - : النثر كالحرّة ، والنّظم كالأمة ، والأمة قد تكون أحسن وجها ، وأدمث شمائل ، وأحلى حركات ، إلّا أنّها لا توصف بكرم جوهر الحرّة ولا بشرف عرقها وعتق نفسها وفضل حيائها . وقال : ولشرف النّثر قال اللّه تعالى في التّنزيل
إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً
[ الإنسان : 19 ] ولم يقل : لؤلؤا منظوما ، ونجوم السماء منتثرة وإن كان انتثارها على نظام ، إلّا أنّ نظامها في حدّ العقل ، وانتثارها في حدّ الحسّ ، « لأنّ الحكمة إذا غطّيت نفسها كانت الغلبة للصّورة القائمة بالقدرة » . وقال أحمد بن محمد كاتب ركن الدّولة : الكلام المنثور أشبه بالوشي ، والمنظوم أشبه بالمنير المخطّط ، والوشي يروق ما لا يروق غيره . ويقال : كنّا في نثار فلان ، ولا يقال : كنّا في نظام فلان . وقال ابن هندو الكاتب : إذا نظر في النظم والنّثر على استيعاب أحوالهما وشرائطهما ، والاطّلاع على هواديهما وتواليهما كان أنّ المنظوم فيه نثر من وجه ، والمنثور فيه نظم من وجه ، ولولا أنّهما يستهمان هذا النّعت لما ائتلفا ولا اختلفا . وقال ابن كعب الأنصاري : من شرف النّثر أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لم ينطق إلا به آمرا وناهيا ، ومستخبرا ومخبرا ، وهاديا وواعظا ، وغاضبا وراضيا ، وما سلب النّظم إلا لهبوطه عن درجة النّثر ، ولا نزّه عنه إلا لما فيه من النّقص ، ولو تساويا لنطق بهما ، ولمّا اختلفا خصّ بأشرفهما الّذي هو أجول في جميع المواضع ، وأجلب لكلّ ما يطلب من المناف . فهذا قليل من كثير مما يكون تبصرة لباغي هذا الشأن ، ولمن يتوخّى حديثه عند كلّ إنسان . وأمّا ما يفضّل به النّظم على النّثر فأشياء سمعناها من هؤلاء العلماء الذين كانت سماء علمهم درورا ، وبحر أدبهم متلاطما ، وروض فضلهم مزدهرا ، وشمس حكمتهم طالعة ، ونار بلاغتهم مشتعلة ، وأنا آتي على ما يحضرني من ذلك ، منسوبا إليهم ، ومحسوبا لهم ، ليكون حقّهم به مقضيّا ، وذكرهم على مرّ الزّمان طريّا . قال السلاميّ : من فضائل النّظم أن صار لنا صناعة برأسها ، وتكلّم الناس في قوافيها ، وتوسّعوا في تصاريفها وأعاريضها ، وتصرّفوا في بحورها ، واطّلعوا على