تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
عجائب ما استحزن فيها من آثار الطّبيعة الشّريعة ، وشواهد القدرة الصادقة ، وما هكذا النّثر ، فإنّه قصّر عن هذه الذّروة الشّامخة ، والقلّة العالية ، فصار بذلك بذلة لكافّة الناطقين من الخاصّة والعامّة والنساء والصّبيان . وقال أيضا : من فضائل النّظم أنّه لا يغنّى ولا يحدى إلا بجيّده ولا يؤهّل للحن الطّنطنة ، ولا يحلّى بالإيقاع الصحيح غيره ، لأن الطّنطنات والنّقرات ، والحركات والسكنات لا تتناسب إلّا بعد اشتمال الوزن والنّظم عليها ، ولو كان فعل هذا بالنّثر كان منقوصا ، كما لو لم يفعل هذا بالنّظم لكان محسوسا ، والغناء معروف الشّرف ، عجيب الأثر ، عزيز القدر ، ظاهر النفع في معابثة الروح ، ومناغاة العقل ، وتنبيه النّفس ، واجتلاب الطّرب وتفريج الكرب ، وإثارة الهزّة ، وإعادة العزّة ، وإذكار العهد ، وإظهار النّجدة ، واكتساب السّلوة ، وما لا يحصى عدده . ويقال : ما أحسن هذه الرسالة لو كان فيها بيت من الشّعر ، ولا يقال : ما أحسن هذا الشّعر لو كان فيه شيء من النّثر ، لأنّ صورة المنظوم محفوظة ، وصورة المنثور ضائعة . وقال ابن نباتة : من فضل النّظم أنّ الشّواهد لا توجد إلّا فيه ، والحجج لا تؤخذ إلّا منه ، أعني أنّ العلماء والحكماء والفقهاء والنحويّين واللّغويّين يقولون : « قال الشاعر » ، و « هذا كثير في الشّعر » ، و « الشّعر قد أتى به » ، فعلى هذا الشاعر هو صاحب الحجّة ، والشعر هو الحجّة . وقال الخالع : للشّعراء حلبة ، وليس للبلغاء حلبة ، وإذا تتبّعت جوائز الشّعراء التي وصلت إليهم من الخلفاء وولاة العهود والأمراء والولاة في مقاماتهم المؤرّخة ، ومجالسهم الفاخرة ، وأنديتهم المشهورة ، وجدتها خارجة عن الحصر ، بعيدة من الإحصاء ، وإذا تتبّعت هذه الحال لأصحاب النّثر لم تجد شيئا من ذلك ، والناس يقولون : ما أكمل هذا البليغ لو قرض الشّعر ! ولا يقولون : ما أشعر هذا الشاعر لو قدر على النّثر ! وهذا لغنى الناظم عن النّاثر ، وفقر الناثر إلى الناظم ، وقد قدّم الناس أبا عليّ البصير على أبي العيناء ، لأنّ أبا عليّ جمع بين الفضيلتين ، وضرب بالسّيفين في الحومتين ، وفاز بالقدحين المعلّيين في المكانين . وقال لنا الأنصاريّ : سمعت ابن ثوابة الكاتب يقول : لو تصفّحنا ما صار إلى أصحاب النثر من كتّاب البلاغة ، والخطباء الذين ذبّوا عن الدّولة ، وتكلّموا في صنوف أحداثها وفنون ما جرى الليل والنهار به ، ممّا فتق به الرّتق ، ورتق به الفتق ، وأصلح به الفاسد ، ولم به الشّعث ، وقرّب به البعيد ، وبعّد به القريب ، وحقّق به الحقّ ، وأبطل به الباطل ، لكان يوفي على كلّ ما صار إلى جميع من قال الشّعر ولاك القصيد ، ولهج بالقريض ، واستماح بالمرحمة ، ووقف موقف المظلوم ، وانصرف انصراف المحروم ،
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 252 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / هيثم خليفة الطعيمي