تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
وقال عليه السّلام : « إنّ بين مصراعي باب الجنّة مسيرة مائة عام ، وليأتينّ عليه يوم وهو كظيظ من الزحام » « 1 » . وفد على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رسول قوم من بني عامر يستأذنه في المرعى حول المدينة ، فقال عليه السّلام : إنها ديار لا تضيق عن جارنا ، وإنّ جارنا لا يظلم في ديارنا ، وقد ألجأتكم الآزمة « 2 » ، فنحن نأذن لكم في المرعى ونشرككم في المأوى ، على أنّ سرحنا « 3 » كسرحكم ، وعانينا كعانيكم ، ولا تعينوا علينا بعد اليوم ، فقال : لا نعين عدوا ما أقمنا في جوارك ، فإذا رحلنا فإنما هي العرب تطلب آثارها ، وتشفي ذحولها ، فقال عليه السلام : يا بني عامر ، أما علمتم أنّ اللّؤم كلّ اللؤم أن تنحاشوا عند الفاقة ، وتثبوا عند العزّة ، فقال : وأبيك إنّ ذلك للؤم ، ولن نبغيك غائلة بعد اليوم ، فقال : اللهمّ اشهد ، وأذن لهم . وسئل صلّى اللّه عليه وسلّم : كيف يأتيه الوحي ؟ فقال : « في مثل صلصلة الجرس ، ثم ينفصم » « 4 » .
هامش
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه 53 - كتاب الزهد والرقائق . حديث رقم : 14 - ( 2967 ) عن خالد بن عمير العدوي . قال : خطبنا عتبة بن غزوان . فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : أما بعد . فإن الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاء . ولم يبقى منها إلا صبابة كصبابة الإناء . يتصابها صاحبها . وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زال لها . فانتقلوا بخير ما بحضرتكم . فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفة جهنم . فيهوي فيها سبعين عاما لا يدرك لها قعر ، واللّه ! لتملأن . أفعجبتم ؟ ولقد ذكر لنا أن ما بين مصارعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة . وليأتين عليها يوم وهو كظيظ من الزحام . ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ما لنا طعام إلا ورق الشجر . حتى تقرحت أشداقنا . فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك . فاتزرت بنصفها واتزر سعد بنصفها . فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميرا على مصر من الأمصار . وإني أعوذ باللّه أن أكون في نفسي عظيما وعند اللّه صغيرا . وإنها لم تكن نبوة قط إلا تناسخت ، حتى يكون آخر عاقبتها ملكا . فستخبرون وتجربون الأمراء بعدنا . قوله : ( آذنت ) أي أعلمت . ( بصرم ) الصرم الانقطاع والذهاب ، ( حذاء ) مسرعة الانقطاع . ( صبابة ) البقية اليسيرة من الشراب تبقى في أسفل الإناء . ( يتصابها ) في القاموس : تصاببت الماء شربت صبابته . ( قعرا ) قعر الشيء أسفله . ( كظيظ ) أي ممتلئ . ( قرحت ) أي صار فيها قروح وجراح ، من خشونة الورق الذي نأكله وحرارته . ( سعد بن مالك ) هو سعد بن أبي وقاص ، رضي اللّه عنه . ( 2 ) الآزمة : الشدة . ( 3 ) السرح : المال السائم . ( 4 ) روى البخاري في صحيحه 1 - باب : كيف كان بدء الوحي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . حديث رقم : 2 - عن عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها : أن الحارث بن هشام رضي اللّه عنه سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه ، كيف يأتيك الوحي ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس ، وهو أشده عليّ ، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال ، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا ، فيكلمني فأعي ما يقول ) . قالت عائشة رضي اللّه عنها : ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد ، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا . وروى مسلم في صحيحه 23 - باب عرق النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في البرد ، وحين يأتيه الوحي . حديث رقم : 87 - ( 2333 ) عن عائشة ، أن الحارث بن هشام سأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : كيف يأتيك الوحي ؟ فقال : « أحيانا يأتيني في مثل صلصلة الجرس وهو أشده عليّ . ثم يفصم عني وقد وعيته . وأحيانا ملك في مثل صورة الرجل . فأعي ما يقول » . وقوله : ( أحيانا ) الأحيان الأزمان . ويقع على القليل والكثير . ( صلصلة ) الصلصلة الصوت المتدارك . وقال الخطابي : معناه أنه صوت متدارك يسمعه ولا يثبته أول ما يقرع سمعه ، حتى يفهمه من بعد ذلك . ( يفصم ) أي يقلع وينجلي ما يتغشاني منه . قاله الخطابي : قال العلماء : الفصم هو القطع من غير إبانة ، وأما القصم فقطع مع الإبانة والانفصال . ومعنى الحديث أن الملك يفارق على أن يعود ، ولا يفارقه مفارقة قاطع لا يعود .