تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
فقال : هل رأيت هذه الرسائل ؟ قلت : قد رأيت جملة منها ، وهي مبثوثة من كلّ فنّ نتفا بلا إشباع ولا كفاية ، وفيها خرافات وكنايات وتلفيقات وتلزيقات وقد غرق الصّواب فيها لغلبة الخطأ عليها . وحملت عدّة منها إلى شيخنا أبي سليمان المنطقيّ السّجستانيّ ( محمد بن بهرام ) وعرضتها عليه ونظر فيها أياما واختبرها طويلا ، ثم ردّها عليّ وقال : تعبوا وما أغنوا ، ونصبوا وما أجدوا ، وحاموا وما وردوا ، وغنّوا وما أطربوا ، ونسجوا فهلهلوا ، ومشطوا ففلفلوا « 1 » ، ظنّ ما لا يكون ولا يمكن ولا يستطاع ، ظنّوا أنهم يمكنهم أن يدسّوا الفلسفة - التي هي علم النّجوم والأفلاك والمجسطي والمقادير وآثار الطّبيعة ، والموسيقي التي هي معرفة النّغم والإيقاعات والنّقرات والأوزان ، والمنطق الّذي هو اعتبار الأقوال بالإضافات والكمّيّات والكيفيّات - في الشريعة ، وأن يضمّوا الشريعة للفلسفة . وهذا مرام دونه حدد « 2 » ، وقد توفّر على هذا قبل هؤلاء قوم كانوا أحدّ أنيابا ، وأحضر أسبابا ، وأعظم أقدارا ، وأرفع أخطارا ، وأوسع قوىّ ، وأوثق عرا ، فلم يتمّ لهم ما أرادوه ، ولا بلغوا منه ما أمّلوه ، وحصلوا على لوثات قبيحة ، ولطخات فاضحة ، وألقاب موحشة ، وعواقب مخزية ، وأوزار مثقلة . فقال له البخاريّ أبو العبّاس : ولم ذلك أيها الشيخ ؟ قال : إنّ الشريعة مأخوذة عن اللّه - عزّ وجلّ - بوساطة السّفير بينه وبين الخلق من طريق الوحي ، وباب المناجاة ، وشهادة الآيات ، وظهور المعجزات ، على ما يوجبه العقل تارة ، ويجوّزه تارة ، لمصالح عامّة متقنة ، ومراشد تامّة مبيّنة ، وفي أثنائها ما لا سبيل إلى البحث عنه ، والغوص فيه ، ولا بدّ من التّسليم للداعي إليه ، والمنبّه عليه ، وهناك يسقط ( لم ) ويبطل ( كيف ) ، ويزول ( هلّا ) ويذهب ( لو ) و ( ليت ) في الرّيح ، لأنّ هذه الموادّ عنها محسومة ، واعتراضات المعترضين عليها مردودة ، وارتياب المرتابين فيها ضارّ ، وسكون الساكنين إليها نافع ، وجملتها مشتملة على الخير ، وتفصيلها موصول بها على حسن التّقبّل ، وهي متداولة بين متعلّق بظاهر مكشوف ، ومحتجّ بتأويل معروف ، وناصر باللغة الشائعة ، وحام بالجدل المبين ، وذابّ بالعمل الصالح ، وضارب للمثل السائر ، وراجع إلى البرهان الواضح ، ومتفقّه في الحلال والحرام ، ومستند إلى الأثر والخبر المشهورين بين أهل الملّة ، وراجع إلى اتفاق الأمّة . وأساسها على الورع والتّقوى ، ومنتهاها إلى العبادة وطلب الزّلفى .
هامش
( 1 ) أي جعلوا الشعر شديد الجعودة . ( 2 ) أي دفع ومنع .