تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
« لو أنّ اللّه حبس عن الناس القطر سبع سنين ثم أرسله لأصبحت طائفة به كافرين ويقولون : مطرنا بنوء المجدح » ، فهذا كما ترى ، والمجدح : الدّبران . ثم قال : ولقد اختلفت الأمّة ضروبا من الاختلاف في الأصول والفروع ، وتنازعوا فيها فنونا من التنازع في الواضح والمشكل من الأحكام ، والحلال والحرام ، والتفسير والتأويل ، والعيان والخبر ، والعادة والاصطلاح ، فما فزعوا في شيء من ذلك إلى منجّم ولا طبيب ولا منطقيّ ولا مهندس ولا موسيقيّ ولا صاحب عزيمة وشعبذة وسحر وكيمياء ، لأنّ اللّه تعالى تمّم الدين بنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولم يحوجه بعد البيان الوارد بالوحي إلى بيان موضوع بالرأي . قال : وكما لم نجد في هذه الأمّة من يفزع إلى أصحاب الفلسفة في شيء من دينها ، فكذلك أمّة عيسى عليه السّلام وهي النصارى ، وكذلك المجوس . قال : ومما يزيدك وضوحا ويريك عجبا أنّ الأمّة اختلفت في آرائها ومذاهبها ومقالاتها فصارت أصنافا فيها وفرقا ، كالمرجئة والمعتزلة والشّيعة والسّنّيّة والخوارج ، فما فزعت طائفة من هذه الطوائف إلى الفلاسفة ، ولا حققت مقالتها بشواهدهم وشهادتهم ، ولا اشتغلت بطريقتهم ، ولا وجدت عندهم ما لم يكن عندها بكتاب ربّها وأثر نبيّها . وهكذا الفقهاء الذين اختلفوا في الأحكام من الحلال والحرام منذ أيّام الصّدر الأوّل إلى يومنا هذا لم نجدهم تظاهروا بالفلاسفة فاستنصروهم ، ولا قالوا لهم : أعينونا بما عندكم ، واشهدوا لنا أو علينا بما قبلكم . قال : فأين الدّين من الفلسفة ؟ وأين الشيء المأخوذ بالوحي النّازل ، من الشيء المأخوذ بالرّأي الزائل ؟ فإذا أدلّوا بالعقل فالعقل موهبة من اللّه جلّ وعزّ لكلّ عبد ، ولكن بقدر ما يدرك به ما يعلوه ، كما لا يخفى به عليه ما يتلوه ، وليس كذلك الوحي ، فإنه على نوره المنتشر ، وبيانه الميسّر . قال : وبالجملة ، النّبيّ فوق الفيلسوف ، والفيلسوف دون النبيّ ، وعلى الفيلسوف أن يتّبع النبيّ ، وليس على النبيّ أن يتّبع الفيلسوف ، لأنّ النبيّ مبعوث ، والفيلسوف مبعوث إليه . قال : ولو كان العقل يكتفى به لم يكن للوحي فائدة ولا غناء ، على أن منازل الناس متفاوتة في العقل ، وأنصباؤهم مختلفة فيه ، فلو كنّا نستغني عن الوحي بالعقل كيف كنّا نصنع ، وليس العقل بأسره لواحد منّا ، وإنما هو لجميع الناس . فإن قال قائل بالعبث والجهل : كلّ عاقل موكول إلى قدر عقله ، وليس عليه أن يستفيد الزيادة من غيره ، لأنّه مكفيّ به ، وغيره مطالب بما زاد عليه .