تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
قيل له : كفاك تماديا في هذا الرأي أنه ليس لك فيه موافق ، ولا عليه مطابق ، ولو استقلّ إنسان واحد بعقله في جميع حالاته في دينه ودنياه لاستقلّ أيضا بقوته في جميع حاجاته في دينه ودنياه ، ولكان وحده يفي بجميع الصّناعات والمعارف ، وكان لا يحتاج إلى أحد من نوعه وجنسه ، وهذا قول مرذول ورأي مخذول . قال البخاريّ : وقد اختلفت أيضا درجات النبوة بالوحي ، وإذا ساغ هذا الاختلاف في الوحي ولم يكن ذلك ثالما له ، ساغ أيضا في العقل ولم يكن مؤثّرا فيه . فقال : يا هذا ، اختلاف درجات أصحاب الوحي لم يخرجهم عن الثّقة والطّمأنينة بمن اصطفاهم بالوحي ، وخصّهم بالمناجاة ، واجتباهم للرسالة ، وأكملهم بما ألبسهم من شعار النبوة ، وهذه الثّقة والطّمأنينة مفقودتان في الناظرين بالعقول المختلفة ، لأنهم على بعد من الثّقة والطّمأنينة إلّا في الشيء القليل والنّزر اليسير ، وعوار هذا الكلام ظاهر ، وخطل هذا المتكلّم بيّن . قال الوزير : أفما سمع شيئا من هذا المقدسيّ ؟ قلت : بلى قد ألقيت إليه هذا وما أشبهه بالزّيادة والنقصان ، والتقديم والتأخير ، في أوقات كثيرة بحضرة حمزة الورّاق في الورّاقين ، فسكت ، وما رآني أهلا للجواب ، لكن الجريريّ غلام ابن طرّارة هيّجه يوما في الورّاقين بمثل هذا الكلام ، فاندفع فقال : الشريعة طبّ المرضى ، والفلسفة طبّ الأصحّاء ، والأنبياء يطبّون للمرضى حتى لا يتزايد مرضهم ، وحتى يزول المرض بالعافية فقط . فأما الفلاسفة فإنهم يحفظون الصّحة على أصحابها حتى لا يعتريهم مرض أصلا ، فبين مدبّر المريض ومدبّر الصحيح فرق ظاهر وأمر مكشوف ، لأن غاية مدبّر المريض أن ينتقل به إلى الصحة ، هذا إذا كان الدواء ناجعا ، والطّبع قابلا ، والطبيب ناصحا . وغاية مدبّر الصحيح أن يحفظ الصحّة ، وإذا حفظ الصحّة فقد أفاده كسب الفضائل ، وفرّغه لها ، وعرّضه لاقتنائها ، وصاحب هذه الحال فائز بالسعادة العظمى ، ومتبوّئ الدرجة العليا ، وقد صار مستحقّا للحياة الإلهيّة ، والحياة الإلهية من الخلود والدّيمومة والسّرمدية . فإن كسب من يبرأ من المرض بطبّ صاحبه الفضائل أيضا ، فليست تلك الفضائل من جنس هذه الفضائل ، لأنّ إحداهما تقليديّة ، والأخرى برهانيّة ، وهذه مظنونة ، وهذه مستيقنة ، وهذه روحانيّة ، وهذه جسميّة ، وهذه دهريّة ، وهذه زمانيّة . وقال أيضا : إنّما جمعنا بين الفلسفة والشّريعة لأن الفلسفة معترفة بالشريعة ، وإن كانت الشريعة جاحدة لها ، وإنما جمعنا أيضا بينهما لأنّ الشريعة عامة ، والفلسفة خاصّة ، والعامّة قوامها بالخاصّة ، كما أن الخاصّة تمامها بالعامّة ، وهما متطابقتان إحداهما على الأخرى ، لأنها كالظّهارة التي لا بدّ لها من البطانة ، وكالبطانة التي لا بدّ لها من الظّهارة .
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 167 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / هيثم خليفة الطعيمي