تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
فما حديثه ؟ وما شأنه ؟ وما دخلته ؟ وما خبره ؟ فقد بلغني أنّك تغشاه وتجلس إليه ، وتكثر عنده ، وتورّق له ، ولك معه نوادر مضحكة ، وبوادر معجبة . ومن طالت عشرته لإنسان صدقت خبرته به ، وانكشف أمره له ، وأمكن اطّلاعه على مستكنّ رأيه وخافي مذهبه وعويص طريقته . فقلت : أيّها الوزير ، هو الذي تعرفه قبلي قديما وحديثا بالتربية والاختبار والاستخدام ، وله منك الأخوّة القديمة والنّسبة المعروفة . قال : دع هذا وصفه لي . قلت : هناك ذكاء غالب ، وذهن وقّاد ، ويقظة حاضرة ، وسوانح متناصرة ، ومتّسع في فنون النّظم والنثر ، مع الكتابة البارعة في الحساب والبلاغة ، وحفظ أيّام الناس ، وسماع للمقالات ، وتبصّر في الآراء والدّيانات ، وتصرّف في كلّ فنّ : إمّا بالشدو « 1 » الموهّم ، وإمّا بالتّبصّر المفهم ، وإما بالتّناهي المفحم . فقال : فعلى هذا ما مذهبه ؟ قلت : لا ينسب إلى شيء ، ولا يعرف برهط ، لجيشانه بكلّ شيء ، وغليانه في كل باب . ولاختلاف ما يبدو من بسطة تبيانه ، وسطوته بلسانه ، وقد أقام بالبصرة زمانا طويلا ، وصادف بها جماعة جامعة لأصناف العلم وأنواع الصّناعة ، منهم أبو سليمان محمد بن معشر البيستيّ ، ويعرف بالمقدسيّ ، وأبو الحسن علي بن هارون الزّنجانيّ ، وأبو أحمد المهرجانيّ والعوقيّ وغيرهم ، فصحبهم وخدمهم ، وكانت هذه العصابة قد تآلفت بالعشرة ، وتصافت بالصّداقة ، واجتمعت على القدس والطّهارة والنصيحة ، فوضعوا بينهم مذهبا زعموا أنّهم قرّبوا به الطريق إلى الفوز برضوان اللّه والمصير إلى جنّته ، وذلك أنهم قالوا : الشريعة قد دنّست بالجهالات ، واختلطت بالضّلالات ، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة ، وذلك لأنّها حاوية للحكمة الاعتقاديّة ، والمصلحة الاجتهاديّة . وزعموا أنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية فقد حصل الكمال ، وصنّفوا خمسين رسالة في جميع أجزاء الفلسفة : علميّها وعمليّها ، وأفردوا لها فهرستا وسمّوها رسائل إخوان الصّفا وخلّان الوفاء ، وكتموا أسماءهم ، وبثّوها في الورّاقين ، ولقّنوها الناس ، وادّعوا أنّهم ما فعلوا ذلك إلا ابتغاء وجه اللّه عزّ وجلّ وطلب رضوانه ليخلّصوا الناس من الآراء الفاسدة التي تضرّ النفوس ، والعقائد الخبيثة التي تضرّ أصحابها ، والأفعال المذمومة الّتي يشقى بها أهلها ، وحشوا هذه الرسائل بالكلم الدّينيّة والأمثال الشرعيّة والحروف المحتملة والطّرق الموهمة .
هامش
( 1 ) أي أخذ العلم وتلقيه .