تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
يقع من الحكماء بالعبث والتجزيف ، بل لمنفعة عظيمة موجودة ظاهرة . ومثاله أن الحبشيّ يتدلّك بالماء والغسول لا ليستفيد بياضا ، ولكن ليستفيد نقاء شبيها بالبياض . ويقال للمهذار : « اكفف » لا ليكفّ عن النطق ، ولكن ليؤثر الصمت . ويقال للموتور : « لا تحقد » لا ليزول عنه ما حنق عليه ، ولكن ليتكلّف الصبر ويتناسى الجزاء على هذا أبدا . وقد تقرّر بالحكمة الباحثة عن الإنسان وطرائق ما به وفيه أن أحواله مختلفة ، أعني أن كل ما يدور عليه ويحور إليه مقابل بالضدّ أو شبيه بالضدّ كالحياة والموت ، والنوم واليقظة ، والحسن والقبيح ، والصواب والخطأ ، والخير والشر ، والرجاء والخوف ، والعدل والجور ، والشجاعة والجبن ، والسخاء والبخل ، والحلم والسّفه ، والطّيش والوقار ، والعلم والجهل ، والمعرفة والنّكرة والعقل والحمق ، والصحة والمرض ، والاعتدال والانحراف ، والعفّة والفجور والتنبّه والغفلة ، والذّكر والنسيان ، والذكاء والبلادة ، والغبطة والحسادة والدماثة والكزازة ، والحق والباطل ، والغيّ والرّشد ، والبيان والحصر والثقة والارتياب ، والطّمأنينة والتّهمة ، والحركة والسكون ، والشكّ واليقين والخلاعة والوقار ، والتوقّي والتهوّر ، والإلف والملل ، والصدق والكذب والإخلاص والنفاق ، والإحسان والإساءة ، والنصح والغش ، والمدح والذم وعلى هذا الجرّ والسّحب ، ولعل هذه الصفات بلا آخر ولا انقطاع . فما ينبغي أن يعنى الإنسان المحبّ للتبصرة ، المؤثر للتذكرة ، الجامع للنافع له ، النافي للضارّ به في هذه الأحوال التي وصفناها بأسمائها معرّفة - ما استطاع - باجتلاب محمودها واجتناب مذمومها ، وتمييزه مما يكمن فيه أو تقليله ، أو إطفاء جمرته ، أو اجتناء ثمرته ، والطريق إلى هذا التمييز واضح قريب ، كأن تنظر إلى الحياة والموت فتعلم أنّ هذين ليسا من الأخلاق ولا ممّا يعالج بالاجتهاد ، وإلى النّوم واليقظة فتعلم أنّهما ضروريّان للبدن من وجه ، وغير ضروريّين من وجه ، فتنفي منهما ما خرج عن حدّ الضرورة وتسلم البدن ما دخل في حدّ الضرورة ، ولا يكثرنّ الإنسان نومه ولا سهره ، ولكن يطلب العدل بينهما بقدر جهده . فأمّا الحسن والقبيح فلا بدّ له من البحث اللطيف عنهما حتى لا يجور فيرى القبيح حسنا والحسن قبيحا ، فيأتي القبيح على أنه حسن ، ويرفض الحسن على أنّه قبيح ، ومناشئ الحسن والقبيح كثيرة : منها طبيعيّ ، ومنها بالعادة ، ومنها بالشرع ، ومنها بالعقل ، ومنها بالشهوة ، فإذا اعتبر هذه المناشئ صدّق الصادق منها وكذّب الكاذب ، وكان استحسانه على قدر ذلك ، ومثال ذلك الكبر فإنه معيب بالنظر الأوّل ، لكنّه حسن في موضعه بالعلّة الداعية إليه ، والحال الموجبة له .
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 112 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / هيثم خليفة الطعيمي