الأوّل : أن اشتمال القرآن الكريم على المتشابهات لتمحيص القلوب في التصديق به ، فإنه لو كان كل ما ورد في الكتاب معقولا واضحا لا شبهة فيه عند أحد لما كان في الإيمان شيء من معنى الخضوع لأمر اللّه تعالى والتسليم لرسله .
وفيه : أن الخضوع هو نوع انفعال وتأثر من الضعيف في مقابل القوي والإنسان إنما يخضع لمن يدرك عظمته أو لما لا يدركه لعظمته وبهوره الإدراك كقدرة اللّه غير المتناهية وعظمته غير المتناهية وسائر صفاته التي إذا واجهها العقل رجع القهقرى لعجزه عن الإحاطة بها ، وأما الأمور التي لا ينالها العقل لكنه يغتر ويغادر باعتقاد أنه يدركها فما معنى خضوعه لها ؟
كالآيات المتشابهة التي يتشابه أمرها على العقل فيحسب أنه يعقلها وهو لا يعقل .
الثاني : أن اشتماله على المتشابه إنما هو لبعث العقل على البحث والتنقير لئلا يموت بإهماله بإلقاء الواضحات التي لا يعمل فيها عامل الفكر ، فإن العقل أعز القوى الإنسانية التي يجب تربيتها بتربية الإنسان .
وفيه : أن اللّه تعالى أمر الناس بإعمال العقل والفكر في الآيات الآفاقية والأنفسية إجمالا في موارد من كلامه ، وتفصيلا في موارد أخرى كخلق السماوات والأرض والجبال والشجر والدواب والإنسان واختلاف ألسنته وألوانه ، وندب إلى التعقل والتفكر والسير في الأرض والنظر في أحوال الماضين ، وحرض على العقل والفكر ، ومدح العلم بأبلغ المدح وفي ذلك غنى عن البحث في أمور ليس إلّا مزالق للأقدام ومصارع للأفهام .
الثالث : أن الأنبياء بعثوا إلى الناس وفيهم العامة والخاصة ، والذكي والبليد والعالم والجاهل ، وكان من المعاني ما لا يمكن التعبير عنه بعبارة تكشف عن حقيقته وتشرح كنهه بحيث يفهمه الجميع على السواء ، فالحري في أمثال هذه المعاني أن تلقى بحيث تفهمها الخاصة ولو بطريق الكناية والتعريض ويؤمر العامة فيها بالتسليم وتفويض الأمر إلى اللّه تعالى .
وفيه : أن الكتاب كما يشتمل على المتشابهات كذلك يشتمل على المحكمات التي تبين المتشابهات بالرجوع إليها ، ولازم ذلك أن لا تتضمن
الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم — صفحة 100
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٠٠