تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
بكمالها إلّا أفراد خاصة ، وإن كانت الدعوة متعلقة بالجميع متوجهة إلى الكل ، فتربية الناس بالتربية الدينية إنما تثمر كمال التطهير في أفراد خاصة وبعض التطهير في آخرين ، ويختلف ذلك باختلاف درجات الناس ، كما أن الإسلام يدعو إلى حق التقوى في العمل . قال تعالى :
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ
« 1 » ولكن لا يحصل كماله إلّا في أفراد وفيمن دونهم دون ذلك على طريق الأمثل فالأمثل ، كل ذلك لاختلاف الناس في طبائعهم وأفهامهم ، وهكذا جميع الكمالات الاجتماع من حيث التربية والدعوة ، يدعو داعي الاجتماع إلى الدرجة القصوى من كل كمال كالعلم والصنعة والثروة والراحة وغيرها لكن لا ينالها إلّا البعض ، ومن دونه ما دونها على اختلاف مراتب الاستعدادات . وبالحقيقة أمثال هذه الغايات ينالها المجتمع من غير تخلف دون كل فرد منه . ومنها : أن القرآن قطع بأن الطريق الوحيد إلى إيصال الإنسان إلى هذه الغاية الشريفة تعريف نفس الإنسان لنفسه بتربيته في ناحيتي العلم والعمل : أما في ناحية العلم فبتعليمه الحقائق المربوطة به من المبدأ والمعاد وما بينهما من حقائق العالم حتى يعرف نفسه بما ترتبط به من الواقعيات معرفة حقيقية . وأما في ناحية العمل فبتحميل قوانين اجتماعية عليه بحيث تصلح شأن حياته الاجتماعية ، ولا تشغله عن التخلص إلى عالم العلم والعرفان ، ثم بتحميل تكاليف عبادية يوجب العمل بها والمزاولة عليها توجه نفسه ، وخلوص قلبه إلى المبدأ والمعاد ، وإشرافه على عالم المعنى والطهارة والتجنب عن قذارة الماديات وثقلها . وأنت إذا أحسنت التدبر في قوله تعالى :
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
« 2 » ، وضممته إلى ما سمعت إجماله في قوله تعالى :
وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ
الآية ، وإلى قوله تعالى :
عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ
« 3 » ، وقوله تعالى :
يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا
هامش
( 1 ) آل عمران - 102 . ( 2 ) فاطر - 10 . ( 3 ) المائدة - 105 .