سبب امتناع التأويل عن أن تمسّه الأفهام العادية والنفوس غير المطهرة .
ثمّ إنه تعالى قال :
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
« 1 » ، ولا شبهة في ظهور الآيات في أن المطهرين من عباد اللّه هم يمسون القرآن الكريم الذي في الكتاب المكنون والمحفوظ من التغير ، ومن التغير تصرف الأذهان بالورود عليه والصدور منه وليس هذا المس إلّا نيل الفهم والعلم ، ومن المعلوم أيضا : أن الكتاب المكنون هذا هو أم الكتاب المدلول عليه بقوله :
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ
وهو المذكور في قوله :
وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ
.
وهؤلاء قوم نزلت الطهارة في قلوبهم ، وليس ينزلها إلّا اللّه سبحانه ، فإنه تعالى لم يذكرها إلّا كذلك أي منسوبة إلى نفسه كقوله تعالى :
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
« 2 » ، وقوله تعالى :
وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ
« 3 » ، وما في القرآن شيء من الطهارة المعنوية إلّا منسوبة إلى اللّه أو بإذنه وليست الطهارة إلّا زوال الرجس من القلب ، وليس القلب من الإنسان إلّا ما يدرك به ويريد به ، فطهارة القلب طهارة نفس الإنسان في اعتقادها وإرادتها وزوال الرجس عن هاتين الجهتين ، ويرجع إلى ثبات القلب فيما اعتقده من المعارف الحقة من غير ميلان إلى الشك ونوسان بين الحق والباطل ، وثباته على لوازم ما علمه من الحق من غير تمايل إلى اتباع الهوى ونقض ميثاق العلم ، وهذا هو الرسوخ في العلم فإن اللّه سبحانه ما وصف الراسخين في العلم إلّا بأنهم مهديون ثابتون على ما علموا غير زائغة قلوبهم إلى ابتغاء الفتنة فقد ظهر أن هؤلاء المطهرين راسخون في العلم ، هذا .
ولكن ينبغي أن لا تشتبه النتيجة التي ينتجها هذا البيان ، فإن المقدار الثابت بذلك أن المطهرين يعلمون التأويل ، ولازم تطهيرهم أن يكونوا راسخين في علومهم ، لما أن تطهير قلوبهم منسوب إلى اللّه وهو تعالى سبب
هامش
( 1 ) الواقعة - 79 .
( 2 ) الأحزاب - 33 .
( 3 ) المائدة - 6 .