تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
المتشابهات أزيد مما تكشف عنه المحكمات ، وعند ذلك يبقى السؤال ( وهو أنه ما فائدة وجود المتشابهات في الكتاب ولا حاجة إليها مع وجود المحكمات ) على حاله ، ومنشأ الاشتباه أن المجيب أخذ المعاني نوعين متباينين : معان يفهمها جميع المخاطبين من العامة والخاصة وهي مداليل المحكمات ، ومعان سنخها بحيث لا يتلقاها إلّا الخاصة من المعارف العالية والحكم الدقيقة ، فصارت بذلك المتشابهات لا ترجع معانيها إلى المحكمات ، وقد مرّ أن ذلك مخالف لمنطق الآيات الدالة على أن القرآن يفسر بعضه بعضا وغير ذلك . والذي ينبغي أن يقال : أن وجود المتشابه في القرآن ضروري ناشئ عن وجود التأويل الموجب لتفسير بعضه بعضا بالمعنى الذي أوضحناه للتأويل فيما مرّ . ويتضح ذلك بعض الاتضاح بإجادة التدبر في جهات البيان القرآني والتعليم الإلهي والأمور التي بنيت عليها معارفه والغرض الأقصى من ذلك وهي أمور : منها : أن اللّه سبحانه ذكر أن لكتابه تأويلا هو الذي تدور مداره المعارف القرآنية والأحكام والقوانين وسائر ما يتضمنه التعليم الإلهي ، وأن هذا التأويل الذي تستقبله وتتوجه إليه جميع هذه البيانات أمر تقصر عن نيله الأفهام وتسقط دون الارتقاء إليه العقول إلّا نفوس طهرهم اللّه وأزال عنهم الرجس ، فإن لهم خاصة أن يمسوه . وهذا غاية ما يريده تعالى من الإنسان المجيب لدعوته في ناحية العلم أن يهتدي إلى علم كتابه الذي هو تبيان كل شيء ومفتاحه التطهير الإلهي ، وقد قال تعالى :
ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ
« 1 » ، فجعل الغاية لتشريع الدين هي التطهير الإلهي . وهذا الكمال الإنساني كسائر الكمالات المندوب إليها لا يظفر
هامش
( 1 ) المائدة - 6 .