الْعِلْمَ دَرَجاتٍ
« 1 » ، وما يشابهه من الآيات اتضح لك الغرض الإلهي في تشريع الدين وهداية الإنسان إليه ، والسبيل الذي سلكه لذلك فافهم .
ويتفرع على هذا البيان نتيجة مهمة : هي أن القوانين الاجتماعية في الإسلام مقدمة للتكاليف العبادية مقصودة لأجلها ، والتكاليف العبادية مقدمة للمعرفة باللّه وبآياته ، فأدنى الإخلال أو التحريف أو التغيير في الأحكام الاجتماعية من الإسلام يوجب فساد العبودية وفساد العبودية يؤدي إلى اختلال أمر المعرفة .
وهذه النتيجة - على أنها واضحة التفرع على البيان - تؤيدها التجربة أيضا : فإنك إذا تأملت جريان الأمر في طروق الفساد في شؤون الدين الإسلامي بين هذه الأمة وأمعنت النظر فيه : من أين شرع وفي أين ختم وجدت أن الفتنة ابتدأت من الاجتماعيات ثم توسطت في العباديات ثم انتهت إلى رفض المعارف .
وقد ذكرناك فيما مرّ : أن الفتنة شرعت باتباع المتشابهات وابتغاء تأويلها ولم يزل الأمر على ذلك حتى اليوم .
ومنها : أن الهداية الدينية إنما بنيت على نفي التقليد عن الناس وركوز العلم بينهم ما أستطيع ، فإن ذلك هو الموافق لغايتها التي هي المعرفة وكيف لا ؟ ولا يوجد بين كتب الوحي كتاب ، ولا بين الأديان دين يعظمان من أمر العلم ويحرضان عليه بمثل ما جاء به القرآن والإسلام ! .
وهذا المعنى هو الموجب لأن يبيّن الكتاب للإنسان حقائق المعارف أولا ، وارتباط ما شرعه له من الأحكام العملية بتلك الحقائق ثانيا ، وبعبارة أخرى أن يفهمه : أنه موجود مخلوق للّه تعالى خلقه بيده ووسط في خلقه وبقائه ملائكته وسائر خلقه من سماء وأرض ونبات وحيوان ومكان وزمان وما عداها ، وأنه سائر إلى معاده وميعاده سيرا اضطراريا ، وكادح إلى ربه كدحا فملاقيه ثم يجزى جزاء ما عمله ، أيما إلى جنة ، وأيما إلى نار فهذه طائفة من المعارف .
هامش
( 1 ) المجادلة - 11 .