وقد نزلت الآية من سورة « البقرة » ردا على اليهود وهم على رأس الفريق الثاني من أصحاب الكلمة الخبيثة :
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ
( البقرة : 26 ) .
وذلك لأن اليهود تعجبوا من أن القرآن يضرب الأمثال بالذباب والبعوض والنمل والعنكبوت والنحل وغيرها من الكائنات التي تتجلى فيها قدرة اللّه سبحانه ، وشتان بين موقف المؤمن الراسخ من الحق وموقف أمثالهم وقد ابتعدوا عن الهداية .
وقد ضرب اللّه المثل لعدم تدبر الفريق الثاني بالبهائم التي تسمع ولكنها لا تفهم :
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ
( البقرة : 17 ) .
وهؤلاء هم الذين جاء ذكرهم في أكثر من موضع في القرآن وقد وصفهم بأنهم كالأنعام بل أضل ، لا همة لهم سوى بطونهم وفروجهم ، لا يسمعون الحق سماع قبول ، خرس عن الخير فلا يقولونه ، وعمى عن نور الهدى فلا يرونه ، وآخرتهم جهنم دار مقام ومصير ، يقول تعالى :
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
( الفرقان : 44 ) .
وفي سورة « البقرة » مثل لمن ينفق في سبيل اللّه ، ومن ينفق رياء وسمعة ، الأول يضاعف له الثواب ، والثاني عمله كحجر أملس لا شيء عليه ، وأما من عمل بالطاعات ثم وسوس له الشيطان بالمعاصي فهو الذي يحرق عمله وهو أحوج ما يكون له في الآخرة .