لجمع القرآن ، بل لتقييد محفوظ كل منهم ، كان ذلك على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وكان ذلك بعده ، مخافة النسيان أو الخطأ . ولسوف يكون لنا في ذلك حديث .
فلما كان أمر أبو بكر لزيد ، وفد الصحابة سراعا بما لديهم يضعونه بين يدي زيد ، ويوثقونه بشهادة العدول .
هذا كل ما في الأمر ، لكن أهداف الاستشراق تريد أن تخلع عن عمل أبي بكر ميزة الجدّية ، وأن تجرد من كونه عملا تضافرت عليه جهود ، وتوافرت له صفة التواتر ، أي قطعية الثبوت ، ليصبح في نظر الناس عملا فرديّا ، لم تدفع إليه مصلحة عامة ، وليس هو بأولى من غيره بالالتزام والمتابعة .
وعودة إلى حال هذا المصحف في عهد عمر رضي اللّه عنه ، حين أصبح أميرا للمؤمنين ، لنؤكد أنه استمر على ما كان عليه أيام أبي بكر ، مع مزيد من النشاط وتفوق مستمر في تعليم الناس القرآن ، وتجنبهم أن يخطئوا في قراءته على الوجه الذي ينبغي أن يقرأ به ، في حدود الأحرف السبعة « 1 » .
وقد عثرنا على خبر يدل دلالة واضحة على ما نقول ، فقد روي عن محمد بن سعد في طبقاته عن محمد بن كعب القرظي ، بإسناده قال : جمع القرآن في زمان النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، خمسة من الأنصار : معاذ بن جبل ، وعبادة بن الصامت ، وأبيّ بن كعب ، وأبو أيوب ، وأبو الدرداء ، فلما كان زمن عمر ابن الخطاب كتب إليه يزيد بن أبي سفيان : إن أهل الشام قد كثروا وربلوا « 2 » ومثلوا المدائن ، واحتاجوا إلى من يعلمهم القرآن ويفقههم ، فأعنّي يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم . فدعا عمر أولئك الخمسة ، فقال لهم :
إن إخوانكم من أهل الشام قد استعانوني بمن يعلّمهم القرآن ويفقههم في الدين ، فأعينوني ، رحمكم اللّه ، بثلاثة منكم إن أجبتم ، فاستهموا ، وإن انتدب ثلاثة منكم فليخرجوا ، فقالوا : ما كنا لنتساهم ، هذا شيخ كبير ، لأبي أيوب ، وأما هذا فسقيم ، لأبيّ بن كعب ، فخرج معاذ ، وعبادة ، وأبو
هامش
( 1 ) نفس المصدر السابق ص 10 ، 11 .
( 2 ) يريد : كثر عددهم ونموا .