لوجود هذا السبب القويم على ممر الدهور ، وبقاؤه دليلا على بقاء القرآن العظيم في المصاحف والصدور « 1 » .
وقد خص اللّه تعالى هذه الأمة في كتابهم هذا المنزل على نبيّهم صلّى اللّه عليه وسلم بما لم يكن لأمة من الأمم في كتبها المنزلة فإنه سبحانه وتعالى تكفل بحفظه دون سائر الكتب ولم يكفل حفظه إلينا ، وقال تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
وذلك إعظام لأعظم معجزات النبي صلّى اللّه عليه وسلم لأن اللّه تعالى تحدّى بسورة منه أفصح العرب لسانا وأعظمهم عنادا وعتوّا وإنكارا فلم يقدروا على أن يأتوا بآية مثله ، ثم لم يزل يتلى آناء الليل وآناء النهار مع كثرة الملحدين وأعداء الدين ، ولم يستطع أحد منهم معارضة شيء منه ، وأي دليل على صدق نبوته صلّى اللّه عليه وسلم أعظم من هذا ؟ .
وأيضا فإن علماء الأمة لم تزل من الصدر الأول لآخر وقت تستنبط منه الأدلة والحجج والبراهين والحكم وغيرها ما لم يطلع عليه متقدم ولا ينحصر لمتأخر ، بل هو البحر العظيم الذي لا قرار له ينتهي إليه ، ولا غاية لآخره يوقف عليه « 2 » .
ومن ثم لم تحتج هذه الأمة إلى نبيّ بعد نبيها صلّى اللّه عليه وسلم كما كانت الأمم قبل ذلك لم يخل زمان من أزمنتهم عن أنبياء يحكّمون أحكام كتابهم ويهدونهم إلى ما ينفعهم في عاجلهم وآجلهم ، قال اللّه تعالى :
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ
« 3 » الآية ، فوكل حفظ التوراة إليهم ، ولهذا دخلها بعد أنبيائهم التحريف والتبديل ، ولمّا تكفل اللّه تعالى بحفظه خص به من شاء من بريّته وأورثه من اصطفاه من خليقته ، قال اللّه تعالى :
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا . .
« 4 » الآية .
هامش
( 1 ) نفس المصدر السابق ص 54 .
( 2 ) تاريخ القرآن وغرائب رسمه وحكمه تأليف محمد طاهر بن عبد القادر الكردي المكي المشهور بالخطاط ج 1 ص 223 وما بعدها .
( 3 ) سورة المائدة : الآية ( 44 ) .
( 4 ) سورة فاطر : الآية ( 32 ) .