تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهج البلاغة والطب الحديث — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
الإمام أراد بهذا التحليل النفسي الواقعي أن يضع الإنسان في مكانه الملائم واللائق ، كي يطّلع على حقيقة نفسه ، وأن يرضى بقلب قانع ، ما أراده اللّه له وفق عدالته التي توزع الرزق حسب الحاجة والضرورات والعدل ، فمن اقتنع بإرادة اللّه ومشيئته ، وابتعد عن الطمع والحسد ، وتجنب اليأس والقنوط وتمسك بحبل الإيمان وعدالة الرحمن ، أصبح متمسكا بدينه ودنياه . الإمام هنا يرفع من معنويات الإنسان الضعيف الإرادة ، المضطرب الأعصاب ، من خلال إبراز القضية بأحلى صورها ، في القبول بأنّ الخالق هو القادر والمعطي والمسيطر على كل شيء فيقول : « كل شيء خاشع له ، وكل شيء قائم به ، غني كلّ فقير ، وعزّ كلّ ذليل ، وقوّة كلّ ضعيف ، ومفزع كلّ ملهوف ، من تكلّم سمع نطقه ، ومن سكت علم سرّه ، ومن عاش فعليه رزقه ، ومن مات فإليه منقلبه » « 1 » . إنّ حب الدنيا والركض وراءها بالحرام ، والتحايل والخداع والغش يجعل الإنسان آلة مسيرة لشهواتها ، تنخره الأمراض النفسية بمختلف أشكالها ، والعاقل من ترك الدنيا ولذاتها ، لأنّها ليست دار قرار أو خلود ، فيقول الإمام عليه السّلام : « ما أصف من دار أولها عناء ، وآخرها فناء ، في حلالها حساب وفي حرامها عقاب ، من استغنى فيها فتن ، ومن افتقر فيها حزن ، ومن ساعاها فاتته ومن قعد عنها واتته ، ومن أبصر بها بصّرته ، ومن أبعد إليها أعمته » « 2 » . بهذه النصائح القيمّة ، وهذا الأسلوب الجميل ، أراد الإمام أن يعطينا
هامش
( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 7 ص 194 . ( 2 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 6 ص 238 .