تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهج البلاغة والطب الحديث — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
يجري إليها حتى يبلغها ! وما عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه ، وطالب حثيث من الموت يحدوه ، ومزعج في الدنيا عن الدنيا حتى يفارقها رغما ، فلا تنافسوا في عز الدنيا وفخرها ، ولا تعجبوا بزينتها ونعيمها ، ولا تجزعوا من ضرائها وبؤسها ، فإن عزها وفخرها إلى انقطاع ، وزينتها ونعيمها إلى زوال ، وضرائها وبؤسها إلى نفاد ، وكل مدة فيها إلى انتهاء ، وكل حيّ فيها إلى فناء ، أوليس لكم في آثار الأولين مزدجر ، وفي آبائكم الأولين تبصرة ومعتبر ، إن كنتم تعقلون ، أو لم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون ، وإلى الخلف الباقين لا يبقون ، أولستم ترون أهل الدنيا يصبحون ويمسون على أحوال شتى فميّت يبكى ، وآخر يعزّى ، وصريع مبتلى ، وعائد يعود ، وآخر بنفسه يجود ، وطالب للدنيا والموت يطلبه ، وغافل وليس بمغفول عنه وعلى أثر الماضي ما يمضي الباقي . ألا فاذكروا هادم اللذات ، ومنغص الشهوات ، وقاطع الأمنيات عند المساورة للأعمال القبيحة ، واستعينوا اللّه على أداء واجب حقه ، وما لا يحصى من أعداد نعمه وإحسانه » « 1 » . الإمام في هذه الخطبة الرائعة وضّح معاناة الإنسان بأوجهها المختلفة ، وشخّص لنا قطب الأمراض النفسية وهي الدنيا التي نعيشها وما فيها من مخلوقات ، وكيفية الوقاية من أمراضها النفسية والجسدية ، عن طريق ترك لذاتها ومغرياتها الزائفة التي لا تدوم لأحد من البشر ، فالعاقل من ترك التنافس في عز الدنيا وفخرها ونعيمها ، وتخلص من الخوف والقلق الذي يرافق الساعي إليها والمتمسك بها .
هامش
( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 7 ص 80 .