القول في الوباء وفي أصنافه :
الوباء جرت العادة عند النّاس بإيقاعهم هذا الاسم على الأمراض التي تصيب أهل بلد من البلاد وتشمل أكثرهم ، وهذا إنما يكون بما يشترك النّاس في استعماله فيصيبهم آفة واحدة ، كلّا بحسب استعداده لقبولها .
والأشياء التي يشترك النّاس في استعمالها :
الهواء فليس من أحد إلّا يستنشقه ويورده على البدن دائما بالتنفّس وبقبض العروق الضوارب ، فلهذا إذا كان الهواء فاسدا عمّ المرض أهل ذلك الموضع أو عمّ أكثرهم مثل ما يكون عند نزول المطر الجود « 51 » في زمن الحرّ الشديد ودوام نزوله - كما قال أبقراط - : جاء مطر جود في وقت حرّ شديد ودام كذلك الصيف كلّه ، وذكر أنه بلغت العفونة في ذلك الوباء أن كثيرا من النّاس سقط منهم العضد بأسره والساق بأسرها ، فيجب في مثل هذه الحال أن يتقدّم الإنسان فيصلح مزاج الهواء ما أمكنه بحرق خشب الطرفاء فإن دخانها يصلح كثيرا من فساده ، وأن يبخر قدّامه بالسندروس وأن يرشّ قدّام منزله كلّه بالقطران وأن يكثر من شمّ روائح الطيب فلها خاصّة في مقاومة الوباء - بإذن اللّه - وأن يكثر من شمّ ماء الورد العطر مع الخل ومن شمّ الريحان ، وأن يجعل غذاءه خبز الشعير معجونا بالماء مع يسير الخلّ ، وإن خلط فيه يسير عسل فذلك جيّد جدا ، وأن يأخذ على الصوم يوما في ثلاثة أيام ثلث درهم واحد من التّرياق الفاروق المتّخذ بلحوم الأفاعي ، أو يأخذ - إن تعذّر هذا التّرياق - عوضا منه نصف درهم من المثروديطوس كلّ ثالث من الأيام ما لم يكن محرور المزاج بالطبع ، فإن كان ذلك فحسبه أن يأخذ من أيّهما اتّفق نصف كمية ما ذكرنا ، وإن أخذ من الطين المختوم زنة درهم اكتفى به عوضا من ذلك ، يأخذه كلّ ثالث من الأيام ويلزم نفسه أن يكون ما شربه دائما قد خلط فيه مثل عشره من خلّ صادق الحمضة .
والهواء أيضا قد يتغيّر بأبخرة أجساد الموتى العفنة إذا كانت كثيرة جدا مثل ما يقع في الملاحم ، وهذا الوباء أيضا يجب الاستعداد لمقاومته - وكلّ شيء بقدر - ومما يقاوم به القطران وكل ما يكون عن بخار مجفّف أو دخان يابس مثل ما ذكرته من دخان الطّرفاء وكذلك العود الهندي والكندر واللّبني والعنبر وما شابه ذلك .
هامش
( 51 ) المطر الجود : الغزير .