تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
واستفراغ الدم في هذين الوباءين مما ينتفع به إذا استفرغ من قبل حلول الحمّى وظهور أعراضها ، فإنه لا ينفع فصد وقد حمّ الإنسان إلا في حمّى سونوخس وحدها فإنّه إذا فصد لها وأصاب الطبيب في ميزه إياها كان البرء أخذا باليد ، وفي مثل هذه الحال قال أحد الحاضرين في مجلس جالينوس - وقد فصد عليلا في حمّى سونوخس وأرسل الدم حتى غشي على العليل ثم انتعش وقد أقلعت حمّاه - فقال أحد الحاضرين : « لقد نحرت الحمّى نحرا يا جالينوس » . وأما في سائر الحمّيات فإن الفصد بعد الوقوع فيها إما مهلك البتّة وإما هادم للقوة مضعف لها حتى لا يقوى على مقاومة المرض ولا يطيق إنضاج الخلط الممرض . وقد نسي أكثر أطبّاء وقتنا وصية جالينوس ، لهذا فإني لأعرف وأنا ببلاد المغرب - وقد خطرت عليلا حمّى بلغمية قد ظهرت أعراضها وتبيّنت علاماتها حتى إن الحاضرين لم يخف عليهم ممن كان حاضرا من الأطبّاء فحملوه على أن يفصد وساعدهم صاحب الموضع فكان ذلك سببا لارتباكه في مرضه ، وبعد طول وكد « 52 » أفلت . والهواء أيضا يتغيّر بأبخرة السّباخ وبأبخرة مناقع الكتّان وبأبخرة مواضع السّروب وأكداس الزّبل عندما يسخن الهواء إذا كانت أبخرة كثيرة وكان هذا الوقت راكدا جدا ، وفي هذا الوباء ينتفع بكل ما ينتفع به من ذينك الوباءين المذكورين . وقد يكون وباء - إن كان الهواء لم يتغيّر - إذا عمّ الناس أكلهم حبوبا فاسدة عفنة من البرّ والشعير وبسبب أكل أشياء غير مألوفة مما يعرض عند ارتفاع الأسعار ، وهذا إنما علاجه بتعديل المزاج وإصلاح أغذيته والاقتصار على خبز الحنطة المحكمة الاختمار والعجين ، يستعمله بالدّجاج والفراريج والدّرّاج تفايا بيضاء ، ولا بأس بلحم الجدي ، فإذا أخصب البدن واعتدل مزاجه أخذ في تنقيته باستفراغ ما غلب عليه من الأخلاط المذمومة . وقد تكون أمراض شاملة عامّة أكثرها قتّال ولم تجر عادة الناس أن يسمّوه وباء ، وهذا يكون إذا غلب القحط وتمادى واشتدّ الحرّ وأفرط ، فإن أصحاب المزاج الحارّ يشملهم في تلك الضعف والذبول ويغلب اليبس عليهم غاية الغلبة ، وربّما سبب يبس أعضائهم وانهتكت عروق في رئاتهم فيقعون في السلّ ، وفي أول الحال يجب أن يتقدّم
هامش
( 52 ) الوكد ( بضم الواو وتسكين الكاف ) : الجهد والمشقّة بعد السعي .