تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دور الزهراوي في تأسيس علم الجراحة — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
الكلام المحدث العامىّ في لهجة أهل المغرب والأندلس . وهدفه الواضح من ذلك ، بطبيعة الحال ، هو ملء الفراغ اللغوي في العربية والتقدم بالعلم وباللغة معا في طريق متوازن . وللزهراوى أيضا محاولة في تعريب « المصطلح » متى لزم ذلك لجودة الإيضاح ولسلامة البيان ؛ خاصة وأن علم الطب - ولواحقه - حادث في الثقافة العربية الإسلامية - وهو في ذلك كله يحاول تحديد الأوصاف وإطلاق المسمّيات الجديدة وتعديل مسمّيات قديمة ، وينحت ويشتق ألفاظا جديدة يثرى بها المعجم الطبى فيظهر اهتمامه أيضا بالجانب الصرفى ، وذلك كله انطلاقا من قناعته بأن اللغة العلمية هي في جوهرها مواضعة واختيار « 1 » ، ومحاولة تطبيقية مستمرة لتحقيق التكيف بين « الكلمات » و « الأشياء » . ومن ثمّ يجئ التعبير لديه مباشرا أية في الوضوح والنصاعة يخلو من التحلية بألوان البديع أو البيان التي تثقل كاهل اللغة العلمية عند غيره في مناسبات شتى ، ويخلو من التعقيد ومن الغموض والإلغاز الذي تسهم فيه أساليب الرمز والإيحاء والاستثارة ، مما كاد يستقر تقليدا ثابتا في مراحل سابقة سترا للمعارف عن غير المستحقين ! * * * ويعى الزهراوي - بحق - خطر اللغة الرمزية على التقدّم العلمي ، طالما أن الرمز لا يتوازى - بطبيعته - مع ارتقاء العقل وقدرته الواثقة على إدراك كل ما في الوجود ، قدرة تكون الألفاظ الواضحة المميّزة برهانا متّصلا عليها ، تماما كما تكون الرمزية قرينا لضعف العقل ولتنامى ملكة الحساسية وفوران الشعور . وبوسعنا أن نقرر كذلك أن كتابات الزهراوي نموذج واضح يؤكد قناعة العالم بمجافاة الروح العلمية الصافية لكل نزعة لفظية ترى للكلمات في ذاتها تأثيرا سحريا فعّالا يتكافأ مع تأثير الأشياء إن لم يتجاوزه . ولقد كان لهذا الإنجاز
هامش
( 1 ) تظهر سيادة هذه النظرة إلى طبيعة اللغة العلمية وحرية صياغة المصطلح عند الأطباء العرب من بعد ، على سبيل المثال في قول ابن النفيس : « إن لكل أحد أن يسمّى بلفظه ما شاء » . ( ابن النفيس : « كتاب شرح تشريح القانون » ، ص 147 ، بتحقيق سلمان قطايه ومراجعه پول غليونجى ، القاهرة ، 1988 ) .