وكان من ألزم الأمور المنهجية عنده الاتفاق على تحديد دلالات الألفاظ إزالة للبس الناتج عن عدم الاتفاق على الدلالة الواضحة القريبة - بقصد أو بغير قصد - وعن عدم الإحاطة بكنه المحدود بحيث لا يخرج منه ما هو فيه ولا يدخل فيه ما ليس منه ، وهو ما دفعه إلى اعتبار مبحث الحدود " أول المباحث ورأسها جميعا " « 1 » - متابعا في ذلك توجيه أستاذه جابر بن حيان - كما كان منهج تكوين المفهوم العلمي عنده منهجا استقرائيا يبدأ من ملاحظة الوقائع ووصفها بعناية وصفا دقيقا . والجدير بالذكر أن الرازي قد اعتبر الكلمة من كلمات اللغة مجرد أداة للتعبير عن تصورات الإنسان " للأشياء " ، وهي تستمد مشروعية وجودها وبقائها من مجرد اتفاق الناس عليها . ومن ثمّ كانت نظرته إلى عموم اللغة أنها محض اصطلاحيّة لا توقيفيّة : " فأمر اللغات هو أمر اعتياد أو اشتغال " . « 2 »
ولا يغيب عنا في هذا المقام التأثير الكبير للمترجم العظيم والعالم النابه حنين ابن إسحاق « 3 » وتأثير طائفة المترجمين الذين تتلمذوا على يديه .
* * * ولقد تبيّن لنا جهد الزهراوى الواضح بالفعل في تذليل الكثير من مشاكل الغربة اللغوية ، التي هي صفة للألفاظ الأعجمية الشائعة من قبل : فمنهجه مستقر في الاقتراض اللغوي واعتماد الدخيل من اليونانية واللاتينية فضلا عن الفارسية مع الإشارة إلى أصوله « 4 » ، بل إننا واجدون هذا المنهج يتّسع كذلك للمولّد من
هامش
( 1 ) الرازي ، أبو بكر : " المرشد أو الفصول " ، ص 113 ، بتحقيق ألبير زكى إسكندر ، مجلة معهد المخطوطات العربية ، المجلد السابع ، الجزء الأول ، القاهرة 1380 ه / 1961 م .
( 2 ) الرازي ، أبو بكر : " الشكوك على جالينوس " ، ص 36 ، ( مخطوط ، كتبخانه ملّى ملك ، تهران ، ضمن مجموعة برقم 4573 ) .
( 3 ) عن جهود بن إسحاق في الترجمة العلمية يراجع :
- قنواتى ، چورچ شحاته : " تاريخ الصيدلة والعقاقير " ، ص 128 ، القاهرة 1959 .
- مقدمة : ماكس مايرهوف لنشرة كتاب حنين بن إسحاق " العشر مقالات في العين " ، المطبعة الأميرية ، القاهرة 1928 .
( 4 ) من المهم أن نذكر هنا أن المقالة التاسعة والعشرين من موسوعة الزهراوى « التصريف لمن عجز عن التأليف » هي بعنوان : « في تسميّة العقاقير باختلاف اللغات » .