تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دور الزهراوي في تأسيس علم الجراحة — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧

تقديم

سبحان من علّم آدم الأسماء كلها . وجعل اختلاف الألسنة آية من آياته البيّنات ، وسبحان من جعل موطن عزّة الإنسان في القدرة المتجّددة على تسمية الأشياء وتحديد حدودها فقضت مشيئته أن يكون الإنسان سيدّ الكلمات حين أعلمه أن الحقيقة ليست اسما على غير مسمّى ما له من سلطان . * * * تظهر الثقافة الإسلامية - عند أعلامها الكبار - ثقافة رشيدة أبعد ما تكون عن الثقافة اللفظية - وهي تحرص كل الحرص على بيان أن اللفظ والعلم والمعلوم - أمور ثلاثة متباينة لكنها متطابقة متوازيه ، على حد تعبير حجة الإسلام الإمام أبى حامد الغزالي « 1 » . ويلزم لفهم نصوص التراث شرطان : الأول هو معرفة الأشياء ؛ أي الموضوعات التي تتحدث عنها ، والثاني - الذي لا يقل أهمية عن سابقه بحال ما - هو معرفة اللغة والأسلوب . ولئن تكن صحة النصوص وسلامة توثيقها
هامش
( 1 ) خطاب الغزالي وموقفه اللغوي هو - عندنا - من أقوى ما يمكن أن يوجّه إلى « عبيد الحروف » و « تجّار الكلام » : فهو يبيّن أن للأشياء وجودا في الأعيان ووجودا في اللسان ووجودا في الأذهان . أما الوجود في الأعيان فهو الوجود الأصلي الحقيقي ، والوجود في الأذهان هو الوجود العلمي الصوري ، والوجود في اللسان هو الوجود اللفظي الدليلى . . فالقول دليل على ما في الذهن وما في الذهن صورة لما في الموجود مطابقة له . ولو لم يكن وجود في الأعيان لم تنطبع صورة في الأذهان ، ولو لم تنطبع صورة في الأذهان ولم يشعر به الإنسان لم يعبّر عنه باللسان . فإذا اللفظ والعلم والمعلوم ثلاثة أمور متباينة لكنها متطابقة متوازية . . . فالألفاظ عبارة عن الحروف المقطعة الموضوعة بالاختيار الإنسانى للدلالة على أعيان الأشياء . . ومنّ ظنّ أن الاسم هو المسمّى ، على قياس الأسماء المترادفة . . . فقد أخطأ جدا ، لأن مفهوم المسمّى غير مفهوم الاسم . . . فالاسم لفظ دال والمسمّى مدلول ، وقد يكون غير لفظ » . ( أبو حامد الغزالي : « المقصد الأسنى » ، ص 18 - 22 ، بتحقيق وتقديم : فضله شحاده ، دار المشرق ، بيروت : 1971 ) .
دور الزهراوي في تأسيس علم الجراحة — صفحة 127 | مصطفى لبيب عبد الغني