واثق بذلك فمزاج الجسم تابع لأخلاق النفس » « 1 » ويقول إسحق بن سليمان وهو يهودي مخاطبا الطبيب :
« وواس المتألم وشجعه وعلله بالشفاء حتى ولو كنت متأكدا من عدم حدوثه فلربما ساعدت بتقوية روحه المعنوية على برئه » .
فمسكنات الألم قد تصل حدا تعجز فيه عن تسكين الآلام الشديدة المستمرة بينما رفع الروح المعنوية تقلل من درجة إحساس المريض بالألم مع تزايد حدته ، فالناس يختلفون في درجة إحساسهم بالألم فالشخص المرفه قد يؤلمه في جسمه ما لا يؤلم الشخص الذي تربى على الخشونة . . ورفع روح المريض المعنوية في الإسلام لا تبدأ أثناء مرضه بل إن مقوماتها تغرس منذ نعومة أظفاره . . فهو يربى على التسليم بقضاء اللّه خيره وشره والصبر على المكاره وعلى اليقين بأن جزاء الصابرين بغير حساب ، وتسعى العبادات إلى ربطه بخالقه في الشدة والرخاء وإلى إشعاره أنه جزء من أمة تحس بآلامه وتشاركه مصائبه . . فإذا أصابه مرض ميئوس من شفائه أو كان في مرض الموت كان الناس حوله يهتمون بأمره ويعودونه في مرضه لا مجاملة منهم وإنما حق له مفروض عليهم ، وكان حرصه وهو يعاني آلام المرض أن يتوفاه اللّه مسلما وأن يفارق الدنيا واللّه عنه راض . . فهو يدرك أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر . . ولقد رأيت أن أشد ما يؤلم المرضى في بلاد الغرب وهم على فراش الموت إحساسهم أنهم مقبلون على مجهول لا يدرون عنه شيئا . .
والذي أبتلى منهم بمرض مزمن أو بلغ أرذل العمر ينتابه شعور نفسي أنه فقد كل شئ فهو لا يستطيع أن يمتع نفسه أو يستمتع بهذه الحياة التي لا يملك غيرها وهو يشكو الوحدة فلا أحد يحس به أو يزوره وإن زاره لم يكلف نفسه رؤيته فلربما ترك باقة زهر أو بطاقة تحية مع الممرضة أو مع من يرافقه . . وهذا وضع يختلف تماما عن وضع المؤمن الذي فصلت له الشرائع السماوية ما بعد الموت ووصلت بينه وبين غيره بأخوة الإيمان .
هامش
( 1 ) عيون الأنباء .