فهي تتغير بتغير الأهواء وتصورات المجتمع . . فقد جنحت القوانين الوضعية في القرن الحاضر إلى تبرئة الإنسان من الخطيئة وإلى الدفاع عن الجاني لا المجنى عليه فاعتبرت القصاص قتل نفس باسم القانون لا يعيد النفس المقتولة إلى الحياة بل يعالج خطأ بخطأ أفدح منه لذلك ألغت عقوبة الإعدام . .
ولا يظننّ جاهل أن شرع الجهاد والقصاص يتناقض مع ما قررته الشرائع السماوية من حرمة النفس وعدم الاعتداء عليها . . فالجهاد دفاع عن النفس وصون لها من ظلام الكفر وهو موت يسلبها حياتها الأخروية الباقية الخالدة . . وفي القصاص حياة النفوس وليس فيه نبذا لمبدأ حرمة النفس بل هو تأكيد له . . فإذا أيقن من تحدثه نفسه بالقتل أن جزاءه سيكون القتل إذا أتم جريمته ارعوى وصان الحرمات . . ثم إن القاتل لم ينتهك حرمة القتيل فقط بل هو قد لا يتورع أن يقتل أي نفس أخرى ومن هنا كانت حكمة القصاص في التوراة كما يحكيها القرآن الكريم :
مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها
« 1 »
فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً
« 2 » وهي نفس حكمة التشريع في الشريعة الإسلامية :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
« 3 » . . ففي القصاص صون الأنفس من العبث وحماية من شريعة الغاب . .
ويعزو بعض الكتاب الغربيين علة القصاص في الشرائع السماوية إلى أن القاتل قضى على نفس قبل أن يأذن اللّه بذلك . . بيد أن أجل الإنسان مكتوب ولا ينقضى أجل إلا بقدر اللّه وعلمه . . وإنما العلة هي أن القاتل
هامش
( 1 ) أحياها : مكن لها من القصاص .
( 2 ) المائدة - 32 . .
( 3 ) البقرة - 179