وبظهور أبقراط بدأ تفسير المرض يتخذ طابعا ماديا . . اعتقد أبقراط أن المرض ناشىء عن اختلال في البدن نفسه لا عن مؤثرات خارجة عنه أو قوى خفية . . وأخذ يعلم تلاميذه نظرية الأخلاط لتعليل سبب المرض . . وظلت هذه النظرية حوالي قرن بعد وفاة ابقراط ثم تبناها جالينوس فأصبحت النظرية السائدة في الطب حوالي الفي سنة . .
فجسم الإنسان يحتوى على أربعة سوائل هي الدم والبلغم والسائل المرارى الأصفر والسائل المرارى الأسود ، والصحة هي أن تكون هذه السوائل متناسبة تناسبا تماما وممزوجة مزجا جيدا ببعضها البعض . .
والمرض هو أن يختل هذا التوازن بأن يزيد أحد هذه السوائل أو ينقص أو تتغير طبيعته أو يتواجد في غير مكانه الطبيعي . . وعلاج المرض هو إعادة توازن السوائل الأربعة إما عن طريق الغذاء أو الدواء أو بالتخلص من السائل الزائد باستعمال المسهلات أو المقيئات أو الفصد . . . فوظيفة الطبيب إذن هي إعادة توازن السوائل الأربعة إلى وضعها الطبيعي .
وكان أفلاطون ( حوالي 427 - 347 ق . م ) « 1 » هو أول من عرّف الصحة بأنها توازن السوائل وأن المرض هو اختلال هذا التوازن . . وهذه النظرية تمثل من ناحية تاريخية تصورا للمرض ينبع من أن سبب وطبيعة المرض تحدده طبيعة الشخص ومزاجه وتركيب أعضائه ، وتقابلها فلسفة علم الوجود
Ontology
والتي تعتبر الأمراض وحدات مستقلة قائمة بذاتها لكل منها أسبابه وصفاته وخواصه المميزة وتستجيب لعلاجات معينة تختلف من مرض لآخر . . وعلى ذلك فإن المرض هو الذي يحكم المريض ويظهر بصورة مشابهة في المرضى المصابين بنفس المرض كما أن لكل داء دواء خاصا به . . ويعود الفضل في معرفة الأمراض كوحدات مستقلة إلى الرازي حينما فرق بين مرضى الحصبة والجدري ففتح بذلك باب وصف كثير من الأمراض وتطور ذلك حتى أصبح تصنيف الأمراض سمة من سمات الطب مع بداية النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي .
هامش
( 1 ) فيلسوف اغريقى اشتهر في بداية حياته بالسياسة ثم تحول إلى الفلسفة . تتلمذ على سقراط وتتلمذ عليه أرسطو طاليس .