ب . التعليم الطبي في الفترة الممتدة من أول القرن السادس عشر إلى بداية القرن التاسع عشر
سبق القول أن البيمارستانات كانت بمثابة كليات للطب والصيدلة تلقى فيها الدروس النظرية إلى جانب الدروس التطبيقية . وقد شهدت البلاد العربية بدءا من القرن الثالث للهجرة ( التاسع للميلاد ) تسارعا كبيرا في نشوء البيمارستانات حتى لتكاد لا تخلو مدينة من أحدها ، وفي بعض المدن الكبرى نجد العديد من البيمارستانات في المدينة الواحدة . وكان الازدهار العلمي العربي يمدها بالنسغ العلمي المتحدد ، ويغذيها بكفاءات عالية من العناصر الطبية البشرية القادرة على حمل أعباء التعليم الطبي ، إضافة إلى تقديمها الخدمات العلاجية لمن يلجأ إليها من المرضى . إلا أن هذه البيمارستانات تأثرت مع الأسف ، بجو الركود العلمي والتقهقر الاجتماعي والاقتصادي الذي بدأ يخيم على الوطن العربي منذ القرن الخامس عشر للميلاد .
وعندما نصل إلى القرن السادس عشر ، نجد أن الأغلبية العظمى لتلك المؤسسات واجهت ، أو بدأت تواجه نهاياتها المحزنة . ولم ينته القرن الثامن عشر إلا وكان أكثرها قد تهدم أو اندثر أو توقف نشاطه ، وذلك بسبب سوء إدارة القائمين على تلك البيمارستانات ، وسوء أمانتهم لواردات أوقافها ، مما جعلها عاجزة عن تدبير ما يؤمن لها استمراريتها وتزويدها بالعناصر الطبية البشرية اللازمة ، حتى أن ما بقي منها حتى نهايات القرن الثامن عشر ، كان قد تحول إلى أمكنة لإيواء المجانين والمصابين بأمراض عقلية ، فيما عدا حالات استثنائية محدودة جدا وردتنا عن البيمارستان المنصوري بالقاهرة ، فقد كان آخر طبيب تعاطى التدريس الطبي فيه ، هو الشريف السيد قاسم بن محمد التونسي الذي توفي سنة 1193 ه / 1797 36 .